أحياناً ما تتحول نعمة إلى نقمة، وفي موضوعنا هذا فإنها كثيراً ما تتحول وليس أحياناً.. مع الأسف الشديد.
ليس سرًا على الإطلاق ارتفاع معدل حوادث السير في مصر، ولذلك عدة أسباب، منها ما أرغب في التطرق إليه هنا من مظاهر نقابلها يوميًا وصل الأمر لأن تبدو جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، لا فارق بين صباح أو مساء، وقت ذروة أو أوقات سيولة مرورية.
لا أفهم أبدًا عقلية أي سائق مركبة يسمح لنفسه بالسير العكسي في أي شارع، سواء رئيسي أو جانبي، على طريق سريع، الطريق الدائري، الأوتوستراد، الميادين الكبيرة أو الصغيرة، من يقرر اختصار عدة أمتار بأن يتخذ مسارًا يعرض فيه نفسه وغيره لخطر الموت أو الإصابة!
ولم أفقد اندهاشي اليومي من فئات يُفتَرض فيها التأني والإحساس الزائد بالمسؤولية، لكنها تفعل العكس، مثل الأمهات التي تقود سياراتها لإيصال الأبناء إلى مدارسهم أو جلبهم منها، وهي تسمح للأطفال بالجلوس في المقعد بجوار السائق، بل ودون استخدام حزام الأمان، وتسير عكسي لاختصار دقيقة أو أكثر، وفي الوقت ذاته تتحدث في الموبايل مستخدمةً يدًا واحدة في القيادة!
لا أفهم الآباء الذين يسمحون لأبنائهم بقيادة الاسكوتر أو الفيزبا، دون رخصة قيادة، وفي الأغلب يكونون تحت سن استخراج الرخصة الخاصة بها ( وهي 16 عامًا)
ويقترن ذلك في أغلب الأحيان بسلوك غير مسئول من أطفال يلهون بلعبة قاتلة تعرضهم للموت أو الإصابة والأمر نفسه تسببه للآخرين، لقد زاد الأمر عن حده، حتى أصبح اقتناء وقيادة تلك المركبات من جانب تلاميذ المرحلتين الإعداية والثانوية أمراً مسلماً به، وصار غير ذلك أمر يدعو للتذمر بين المراهقين، تماماً كما كان اقتناء الموبايل قبلها بسنوات حتى أصبح أمراً لا مفر منه!
لا أفهم كيف يتم السماح للأطفال والمراهقين باللعب بأحذية الباتيناج في الشوارع الرئيسية، في كل الأحياء، ومنها المكتظة بالسيارات مثل وسط البلد!
لا أفهم عدم التصدي لظاهرة "الطيارين" أو عمال الديليفري الذين يستخدمون الاسكوتر والفيزبا، ويقومون بكسر كل قواعد المرور، في كل مناطق القاهرة، وكأن لديهم من الحظوة و الحماية ما يطمئنهم على كسر القواعد وانتهاك القوانين
حتى صاروا كالجراد المبثوث في كل شبر، بدأوا بالشوارع الجانبية ووصلوا للرئيسية والدائري، يسيرون في مسارات عكسية على جانبي الطريق ثم الآن في منتصفه، في مشهد عبثي يتحدى المنطق، ومعرضين حياة كل من في الشارع للخطر، ثم يصيحون بالمظلومية حين يتعرضون للأذى، وهو نتيجة منطقية لسلوكيات أغلبهم غير المسئولة.
لا يحترمون إشارات المرور، ولا عبور المشاة، لا ليل ولا نهار فصوت محركات يضعها بعضهم قادر على إيقاظ الأموات! وليس سراً أن إحدى شركات التوصيل الشهيرة، والتي صار اسمها مقترناً بالسرعة في التوصيل، ييير طياروها ليل نهار كاسرين كل قواعد الأمان في الشارع، انقياداً لمتطلبات المنافسة.
لا أفهم أن طريقاً مهماً كالطريق السياحي، تم تحديد السرعة فيه بستين كيلومتراً، تصبح القيادة فيه على هذه السرعة المطلوبة هي نفسها مدعاة للتعرض للخطر بسبب السرعات الجنونية لأغلب السيارات فيه، خصوصاً بعد غروب الشمس، فالطريق بلا إضاءة، حيث يتحول إلى ماراثون سباق للسرعة و"الغرز"، حقاً لا أفهم، لكنني أرى الحوادث فيه ليل نهار.
لا أفهم أن محور الكفراوي الذي يربط بين عدة مناطق، ويتطلب الانتباه الشديد أثناء القيادة لاتساع مساحته وتعدد تفريعاته، وتم تحديد السرعة فيه بثمانين كيلومتراً، وتركيب عدة رادرات وكاميرات، هو نفسه الذي تتم القيادة فيه بتهور واندفاع وأصبح وقوع الحوادث فيه شبه يومي.
لا بد من وقفة حازمة وحاسمة مع سلوكيات المرور غير المسؤولة، ولا أعرف لماذا لا تنتهي برغم زيادة عدد الرادارات والكاميرات، لكنني أعرف أنها بمثابة ممارسة الإرهاب، بل هي شروع في قتل.
فهل من مغيث؟