رواية فتاة غسان تدون تفاصيل معركة القادسية بـ انتصار المسلمين ومقتل رستم
تحل اليوم ذكرى أحداث معركة القادسية، والتي وقعت يوم 16 نوفمبرعام 636 م، واستمرت 3 أيام، وكانت المعركة بين المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص والإمبراطورية الفارسية بقيادة رستم فرخزاد فى القادسية، وانتهت بانتصار المسلمين ومقتل رستم، لذلك نرصد لكم في السطور التالية ما أرسله سعد بن مالك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
كتاب فتاة غسان يدون تفاصيل معركة القادسية
رصد كتاب فتاة غسان من تأليف جُرجي زيدان، تفاصيل المعركة، وجاءت الرسالة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من سعد بن مالك أمير جند العراق أما بعد، فإني أكتب إليك تفصيل واقعة القادسية التي فاز بها المسلمون على أهل فارس وإليك هي، “جئنا يا أمير المؤمنين بجنود المسلمين ممن تعلم ما انضم إليهم من جند الشام وجملتهم 25000 ونزلنا في القادسية بين العقيق والخندق بجبال القنطرة والقادسية يا أمير المؤمنين واقعة في رأس بحيرة وراءها مضيق من البر يفصل بين البحيرة".

والفرات فأقمنا هناك شهرين ندافعهم تارة ونطاردهم أخرى حتى ملوا منا فكتبوا إلى ملكهم يزدجرد وشكوا ما يقاسونهُ وقالوا إننا أخربنا ما بيننا وبين الفرات ونهبنا الدواب والأطعمة فبعث يزدجرد إلى رستم كبير قواده وألح عليهِ أن يقدم هو بنفسهِ لقتالنا فجاء وعسكر في ساباط وقد كتبت إليك بذلك في حينه فكتبت إلينا أن لا يكربنا ما يأتينا عنهم فاستعنا الله وأرسلنا نفرًا من المسلمين إلى يزدجرد في المداين يدعونهُ إلى الإسلام أو الجزية أو السيف فاستقدم رستم إليه واستشاره فيما جاؤوا من أجلهِ فلما سمع مقالهم تهددهم وتوعدهم ثم وعدهم بقوت ومال وكساء فأجابوه بكلام شديد فأخرجهم من المداين مهانين.
الجند أكثروا من الفساد في القادسية
فلما رأينا ذلك منهم جعلنا نغزو ما حولنا من البلاد والقرى نسوق أغنامها وأبقارها وأسماكها وأبلها، فلما بلغ رستم ذلك حمل بجند عدده مئة ألف وعشرون ألفًا أربعون منها يقودها رجل اسمهُ الجالينوس والباقون يقودهم رستم فجاؤونا في هذا الجند الثقيل ومعهم الفيلة والخيول وكانوا لا يمرون ببلدة إلاَّ أساؤا أهلها وشربوا خمورها، وأكثروا من الفساد فيها فنقم الناس عليهم وقد علمنا من بعض أسراهم أنهم قضوا في انتقالهم هذا من المدائن إلى القادسية أربعة أشهر فلما وصلوا القادسية عسكروا بجبالنا ورأينا معهم فيلة بعضها مشهور عندهم بالفتك كالفيل المسمى فيل سابور الأبيض وغيره، فنظم رستم جيشهُ فجعل من الأفيال 18 في الوسط و15 في المجنبتين ثم انفرد هو في مكان مشرف ينظر منهُ إلى جندنا.

وبعث إلينا أن نوافيهِ برجل منا يكلمه فأرسلت إليه واحدًا فأخبرنى لما عاد أنهُ دخل على رستم فإذا هو جالس على سرير من الذهب وبين يديهِ البسط والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب فلما وصل رسولنا بعباءتهِ ودرعهِ وسيفهِ لم يبهره ما رآه هناك من بهارج الدنيا فقاد جواده فوق البسط وشق وسادتين ربطهُ بهما فسألوه أن يضع سلاحهُ فأبى حتى أقبل على رستم فابتدره ترجمانه وهو من أهل الحيرة واسمهُ عبود فسألهُ عما جاء من أجلهِ.
قال لهُ الرسول: "من يقتل منا يدخل الجنة"
فأجابهُ بالدعوة التي تعلمونها فعظم ذلك عليهم وقالوا: "كيف تطلبون قتالنا أو الجزية وقد كنتم في قشف ومعيشة سيئة لا نراكم شيئًا وكنتم إذا أقحطت أرضكم استعطيتمونا فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ونردكم ولا نظنكم قادمين علينا إلاَّ من الجهد فانا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم ولكل منكم وقر تمر وتنصرفون عنا"، فأجابهُ الرسول بما أسكتهُ وبعد جدال طويل غضب رستم وأقسم أن النهار لا يطلع قبل أن يقتلنا أجمعين فقال لهُ الرسول: "من يقتل منا يدخل الجنة"، وأرسلت إليه رسلًا آخرين يدعونهُ إلى ما هو خير لنا ولهُ فأجابهم بمثل جوابهِ الأول فلم يجدنا ذلك نفعًا.
وفي اليوم التالي جلس رستم على سريره وضرب عليهِ طيارة وعين الأفيال كما ذكرت واتخذ في إيصال خبر الحرب إلى ملكهِ يزدجرد طريقة اعجبتني ولعلي متخذها في بعض حروبي إن شاء الله وذلك أنه جعل بينه وبين يزدجرد رجالًا على كل دعوة رجلًا أولهم على باب إيوانهِ في المداين وآخرهم عند رستم فكل ما فعل رستم شيئًا قال الذي معهُ للذى يليه كان كذا وكذا ثم يقول الثاني ذلك للذي يليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت، وكنت يا أمير المؤمنين مصابًا بدمامل وعرق النساء فلا أستطيع الجلوس وإنما كنت أجلس مكبًا على وجهي وصدري فوق وسادة على سطح القصر أشرف على الناس وأرى قتالهم ولكن الله أعاننا بمنهِ وكرمهِ فإننا لما رأينا الفرس يتهيأون للقتال بعثنا الخطباء في الجند وقرأنا سورة الجهاد ثم صلينا الظهر وكبرنا أربعًا.
نحن سائرون الآن لفتح المدائن بعون الله تعالى
فزحف الجند وتلاحم الجيشان ووالله يا أمير المؤمنين لقد كنت أرى جند فارس ينهالون كالسيل وفيهم الأفيال كالأمواج المتلاطمة وهي تثور فتتلقف الرماح والنبال بخراطيمها وتدوس الناس والخيول بخفافها فهالني أمرها فقلت يا قوم أما من حيلة لها فرماها بعض المسلمين بالنبل فقتل ركابها وتقدم آخرون فأزاحوا عنها توابيتها فتلبكت حركاتها وفسد نظامها فجاء المساء وقد قتل من الفرس جند كبير وفي اليوم التالي وصلتنا نجدة أهل الشام التي أرسلها أبو عبيدة فهاجمنا الفرس حتى كدنا نقبض على رستم ولكنهُ نجا وفي اليوم الثالث لقي الجندان شدة وجهدًا أما نحن فواصلنا العمل في الليل وكانت ليلة سميناها ليلة الهرير لأن رجالنا لم يكونوا يتكلمون وإنما كانوا يهرون هرًا فنقلنا الجند إلى مكان يأخذ العدو من خلفهم ففعلنا ذلك وهم لا يعلمون.

ولما أصبحنا هاجمنا أعداء الله من كل جانب ففشلوا واختل نظامهم ووصل بعض رجالنا إلى سرير رستم وقد أطارت الريح الطيارة عنه فاستظل بظل بغل فقتلوه وقتلوا الجالينوس فانهزم الفرس شر هزيمة فتعقبتهم رجالنا وغنمنا أسلابهم وانتصرنا نصرًا مبينًا ونحن سائرون الآن لفتح المدائن بعون الله تعالى".
«فتاة غسان» دخلت ضمن سلسلة روايات تاريخ الإسلام
والجدير بالذكر أن رواية «فتاة غسان» دخلت ضمن سلسلة روايات تاريخ الإسلام، لأنها كانت تصف أحوال العرب منذ ظهور الإسلام علي يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مرورا بفتح مكة، وحتى عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما تم في عهده من اتساع لرقعة الحكم الإسلامي شمل العراق وفارس والشام.
وكان من بين المناطق التي شملها الفتح فلسطين والقدس، حيث طردت الجيوش الإسلامية القوات الرومانية ولم تعد القدس خاضعة للحكم الروماني، واهتم عمر بهذا الفتح أشد الاهتمام حتى أنه رحل من الحجاز إلى القدس بنفسه ليتوج هذا النصر.
وتخلل الرواية وصف لعادات وتقاليد اجتماعية وأخلاقية عاشتها العرب في تلك الفترة من الزمان.