منذ أكثر من سبعين عامًا، اختارت مصر أن تخوض مبكرًا سباق العلم النووي، لتصبح أول دولة في الشرق الأوسط تمتلك مؤسسة بحثية نووية رسمية، وأول دولة عربية تدشن مفاعلًا بحثيًا وتنتج النظائر المشعة محليًا .
تأسست هيئة الطاقة الذرية المصرية عام 1955برعاية مباشرة من الرئيس جمال عبدالناصر ، فتشكلت مدرسة علمية رائدة أسهمت في تخريج أجيال من العلماء، وترسيخ البنية التحتية للعلم النووي في المنطقة، ودعمت مصر استخداماته السلمية في مجالات الطب والزراعة والصناعة والطاقة .
بدأت الرحلة عندما صدر القانون رقم 509 عام 1955 بإنشاء لجنة الطاقة الذرية، لتكون أول كيان نووي مصري يتبع رئيس مجلس الوزراء، في خطوة عكست رؤية استراتيجية مبكرة تهدف إلى مواكبة التطور العالمي آنذاك ، وبعد عامين فقط تحولت اللجنة إلى مؤسسة للطاقة الذرية بقرار جمهوري
ثم شهد عام 1961 حدثًا تاريخيًا بافتتاح وتشغيل مفاعل أنشاص البحثي الأول بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي، وهو المفاعل الذي أسهم في بناء قاعدة متكاملة من الكوادر العلمية المصرية.
وتواصلت مراحل التطوير حتى عام 1998 الذي شهد تشغيل المفاعل البحثي المصري الثاني بقدرة 22 ميجاوات، ليصبح أحد أهم المفاعلات متعددة الأغراض في المنطقة.
تعمل هيئة الطاقة الذرية المصرية على تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، حيث تعد مصر من الدول القليلة - عربيًا وإفريقيًا - التي تنتج النظائر المشعة اللازمة لتشخيص وعلاج الأورام، مما يضمن استقلالًا استراتيجيًا للقطاع الطبي ويقلل الاعتماد على الخارج.
كما توفر وحدات التشعيع الجامي التابعة للهيئة خدمات أساسية لتعقيم المستلزمات الطبية وحفظ الأغذية، وهو ما يدعم الصادرات المصرية ويرفع من تنافسيتها الدولية.
وفي القطاعين الزراعي والصناعي، أثمرت الأبحاث النووية عن تطوير طفرات محسنة لمحاصيل مثل القمح واللوبيا، بالإضافة إلى تقدم كبير في بحوث الفلزات وهندسة المفاعلات.
كما تراكمت خبرات واسعة في مجالات الأمان النووي وإدارة النفايات المشعة، ما جعل الهيئة من المؤسسات التي تستعين بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التدريب والدعم الفني.
مر البرنامج النووي المصري بفترات قوة وتحديات؛ فبين خمسينيات وستينيات القرن الماضي شهدت البلاد انطلاقة كبيرة شملت تأسيس البنية النووية والتخطيط لإنشاء محطة نووية لإنتاج الكهرباء
ثم تباطأت خطوات البرنامج عقب الحروب والأحداث الإقليمية في الفترة بين 1970 و1980،حين تراجع الاهتمام بالبحث العلمي طوال عقد من الزمان قبل أن يستعيد زخمه مجددًا منذ نهاية التسعينيات ثم انطلاقتها الاخيرة بدعم الرئيس عبدالفتاح السيسي للمشروع النووى السلمي ، بالتزامن مع تشغيل المفاعل البحثي الثاني والتوسع في التطبيقات السلمية ودعم مشروع محطة الضبعة النووية بالتعاون مع روسيا.
ولعل ما يميز هذه المسيرة هو الدور المحوري للعلماء المصريين، فقد أسست الهيئة منذ نشأتها مدرسة علمية خرجت روادا تركوا بصمات واضحة في تاريخ الطاقة النووية، من بينهم الدكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن صاحب فكرة إنشاء الكيان النووي المصري، والدكتور عصمت زين الدين مؤسس قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، والدكتور حامد رشدي القاضي الذي أسس مركز تكنولوجيا الإشعاع.
كما برز علماء أثروا مجالات المفاعلات ودورة الوقود، مثل الدكتور عبد المعبود الجبيلي، والدكتور إبراهيم حمودة رائد فيزياء النيترونات، والدكتور فوزي حماد مؤسس مركز الأمان النووي، والدكتور محمد عزت عبد العزيز الذي يعد الأب المؤسس لتكنولوجيا المعجلات في مصر
كما لعبت المرأة دورًا رائدًا من خلال أسماء متميزة مثل الدكتورة لطفية النادي الملقبة بـ"أم الفيزياء النووية".
وإلى جانب هؤلاء، يظل اسما الدكتور يحيى المشد والدكتور يسري أبو شادي من أبرز الوجوه التي رفعت اسم مصر عالميًا في المحافل العلمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
واليوم، تقف هيئة الطاقة الذرية كأقدم وأكبر مؤسسة نووية في الشرق الأوسط، وتواصل دورها الإقليمي عبر التعاون مع الدول العربية من خلال برامج مثل ARASIA وAFRA، إلى جانب دورها المحلي في دعم مشروع الضبعة النووي الذي يمثل نقلة نوعية لمستقبل الطاقة في مصر.
وبين تاريخ عريق وحاضر متطور، تؤكد مصر أن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل، وأن بناء جيل من العلماء القادرين على المنافسة العالمية هو الركيزة الأساسية لأي نهضة وطنية.