من النص العالمي إلى الأذن العربية: رحلة تعريب المسرح في الإذاعة المصرية
يُعد المسرح الإذاعي أحد أهم الفنون الدرامية التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العربي خلال القرن العشرين، كانت الإذاعة وسيلة جماهيرية واسعة الانتشار، تقدم فن المسرح في صيغة مسموعة تصل إلى مختلف فئات المجتمع، وقد تميزت المرحلة الممتدة خلال فترة ستينيات.
وشهدت الإذاعة المصرية، باعتبارها من أبرز المؤسسات الإعلامية في العالم العربي، نشاطًا ملحوظًا في إنتاج عروض مسرحية محلية ومترجمة، أسهمت في نشر الثقافة المسرحية العالمية وإتاحتها لجمهور واسع. وتأتي هذه الدراسة لبحث نشأة المسرح الإذاعي، وتحولاته في الستينيات، مع إبراز الدور الحيوي الذي لعبته الإذاعة في ترجمة وتعريب المسرح العالمي.
بداية المسرح الإذاعي في مصر وتطوره
بدأ المسرح الإذاعي في مصر مع بدايات البث الإذاعي في ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأت الإذاعة في تقديم تمثيليات قصيرة تعتمد على الأداء الصوتي والحوار الدرامي، ومع مرور الوقت، تطور هذا الفن ليكتسب قواعد أكثر وضوحًا، من حيث البناء الفني والإخراج الصوتي وتوزيع الأدوار، حتى أصبح نوعًا فنّيًا قائمًا بذاته.
ومع دخول الخمسينيات، حظي المسرح الإذاعي بدعم مؤسساتي كبير مما ساعده على الانتشار، ولكن تعتبر فترة الستينيات هي أكثر مرحلة شهدت اهتماما رسميا وثقافيا بإعلاء قيمة الفنون، ما دفع الإذاعة إلى توسيع في إنتاجها الدرامي وتطوير تقنيات التسجيل والإخراج، مما انعكس إيجابا على جودة الأعمال المقدمة.

وتميزت الأعمال المقدمة في هذه الفترة بأنها لم تقتصر على المسرح العربي فقط، بل توسعت لتشمل المسرح العالمي بكل مدارسه، من الكلاسيكية إلى الواقعية، ومن التراجيديا إلى الكوميديا، واتجهت الإذاعة في الستينيات إلى ترجمة وتعريب الأدب المسرحي العالمي لعدة أسباب، من أهمها:
ساهمت الإذاعة في التعريب وإتاحة روائع المسرح العالمي لجمهور واسع لا يتقن اللغات الأجنبية، مما سمح بنقل التجارب المسرحية الكبرى إلى المتلقي العربي بطريقة سلسة وبأسلوب يناسب خصوصية الثقافة المحلية، فقد منحت النصوص العالمية الإذاعة فرصة للتنوع في الأساليب الدرامية، عبر تقديم نماذج من المسرح الروسي والفرنسي والإنجليزي وغيرها، مما أغنى التجربة الإذاعية الفنية.
كما يؤكد الاهتمام بـ الأدب المسرحي العالمي من خلال ترجمته وتعريبه، على حرص الإذاعة المصرية على توسيع آفاق المتلقي، وتعزيز التواصل الثقافي بين الحضارات. وقد أسهم هذا الدور في خلق جيل أكثر وعيًا بالموروث الفني الإنساني، وأرسى جذورًا قوية لازدهار الدراما العربية لاحقًا، سواء في الإذاعة أو التلفزيون أو المسرح الحي.
