رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تكن الإعلانات التلفزيونية قديما مجرد فواصل بين البرامج، بل كانت جزءًا من ثقافة المجتمع بصدق  ومعبره عن تطلعات الاغلبية  منه بدون استفزاز للاقلية ، اعلانات زمان كانت تخاطب الأسرة المصرية باحترام، وتقدم المنتج كوسيلة لتحسين الحياة لا كأداة لاستعراض الرفاهية ، كانت جزء من فرحتنا في مرحلة الطفولة ، نحفظها ونغنيها ونرددها مع اصحابنا و افراد اسرتنا .

منذ عرف المصريون الاعلانات مع بداية التفزيون مطلع الستينات لم يكن "المعلن" يبحث عن لفت الأنظار بقدر ما كان يحرص على تقديم محتوى مفهوم بلغة واضحة ورسالة مفيدة .

إعلانات مسحوق الغسيل أو لبن  الأطفال أو صابون الوجه، كان يمرّ بسلاسة على الشاشات، ويعلّق في أذهان الناس لأنه يشبههم و لا يستفزهم.

تتبدل الايام وتتوغل الرأسمالية في كل شيء حتى ثقافتنا وتنعكس بالقطع على اسلوب الاعلانات و مضمونها ،إعلانات الصيف تحديدًا، تحوّلت إلى استعراض فجّ للطبقة الثرية ، سيارات فارهة و شواطئ خاصة و حفلات صاخبة وملابس مستفزة، ومشاهير يتنقلون بين المنتجعات، في مشاهد أقرب إلى الـ "فيديو كليب" منها إلى الإعلان.

الإعلانات – في جوهرها – وسيلة تواصل بين المنتج والمستهلك، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة لتكريس أنماط استهلاكية مفرطة، وتروج لعالم مزيّف يبتعد تمامًا عن احتياجات المواطن الحقيقية، والأسوأ أنها تعزز ثقافة "الوجاهة" على حساب القيم الحقيقية مثل العمل و الإنتاج، والتكافل المجتمعي.
المفارقة المؤلمة أن هذه الإعلانات لا تروّج فقط لمنتجات باهظة الثمن لا يقدر عليها غالبية الناس، بل تسوّق لنمط حياة بعيد تمامًا عن الواقع، فهي لا تبيع منتجًا بقدر ما تروّج لحلم زائف، يصبح مع الوقت عبئًا نفسيًا على المشاهد، خاصة فئة المراهقين والشباب المقبل على الحياة .

وإذا كانت الإعلانات القديمة تكرّس قيمًا مثل الاعتماد على النفس و والانتماء و النظافة و البساطة، ، فإن إعلانات اليوم تروّج لثقافة المظاهر، والتمييز الطبقي.

حتى اللغة تغيّرت من لهجة عفوية ومحترمة، إلى عبارات صاخبة و تكرار مزعج ، أغانٍ مستفزة، وأحيانًا إيحاءات لفظية لا تليق بشاشة منزل تجتمع فيه الاسرتين المصرية والعربية  .

الإعلانات الحديثة، رغم تطورها تقنيًا، تعاني من فقر حقيقي في "الرسالة الاعلامية " بعدما تحوّلت من وسيلة إعلامية تثقيفية إلى أداة تسويقية استعراضية، تُرعب المواطن بدلاً من أن تطمئنه، وتستفز مشاعره بدل ما تُقنعه.

ما نحتاجه اليوم، في ظل الأزمات المتراكمة ( سياسية واقتصادية واجتماعية ) ، ليس إعلانًا يصوّر "جنة الساحل" بل حملة إعلامية تُعيد الثقة في المنتج المحلي، وتشجع على السلوك الاستهلاكي الواعي، وتحترم عقل ووجدان المشاهد و لا تتجاوز احلامه .

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء