رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تطوير المناهج بين وعود الوزارة وحقائق الميدان| تقرير خاص

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

مع بداية العام الدراسي وبدء تطبيق خطة وزارة التربية والتعليم لتطوير المناهج، تصاعدت حالة واسعة من الجدل بين أولياء الأمور والخبراء التربويين حول حقيقة ما يجري داخل الفصول وما إذا كان التطوير ينعكس فعليًا على الطلاب أم يظل مجرد تصريحات رسمية، فرغم التأييد العام لمبدأ التحديث، فإن الأصوات القادمة من الميدان تشير إلى فجوة واضحة بين ما تم الإعلان عنه وما يُطبّق على أرض الواقع.

وفي الوقت الذي يرى فيه أولياء الأمور ومجموعات التعليم أن المناهج الجديدة تحمل روحًا مختلفة وأكثر تركيزًا على المهارات والتفكير، خرج خبراء ومسؤولون سابقون بمفاجآت صادمة تتعلق بغياب المعايير الدولية في التطوير، ووجود مشكلات بنيوية خطيرة في محتوى المناهج، وسط مطالبات عاجلة بإعادة النظر في حجم المحتوى، وتأهيل المعلمين، والعودة إلى معايير مصرية راسخة لضمان تعليم حقيقي ومتوازن.

تحديثات المناهج جاءت بروح جديدة وأسلوب مختلف

 فبحسب ما أكدته رودي نبيل، مؤسس جروب "معًا لغدٍ مشرق" التعليمي، فإن كثيرين كانوا ينتظرون التطبيق الفعلي للتطوير داخل الفصول، خاصة بعد مرور أكثر من شهرين على بداية الدراسة.

وأوضحت رودي أن التحديثات جاءت بروح جديدة وأسلوب مختلف حمل معه تغييرات واسعة في المناهج، وهو أمر يحسب للوزارة، إذ تبدو المناهج الجديدة – نسبيًا – أفضل من المناهج القديمة، وهناك محاولات واضحة للاقتراب أكثر من الفهم وتنمية مهارات التفكير لدى الطلاب، وهو توجه مطلوب وضروري.

لكن التجربة على أرض الواقع، كما تقول، كشفت عن جوانب تحتاج إلى ضبط أكبر وتدريبات أعمق حتى تصل العملية التعليمية إلى المستوى المتوازن والفائدة الحقيقية المرجوة للطلاب.

 

رودي نبيل مؤسس جروب “معًا لغدٍ مشرق التعليمي
رودي نبيل مؤسس جروب “معًا لغدٍ مشرق” التعليمي

المحتوى الدراسي يفوق الوقت المتاح خلال التيرم

وأشارت رودي إلى أن أكثر التحديات وضوحًا هو حجم المحتوى الدراسي، الذي يفوق الوقت المتاح خلال التيرم، وهو ما يجعل الاستفادة الحقيقية أقل من المتوقع، ويشكل ضغطًا متزايدًا على الطالب والمعلم وولي الأمر في آنٍ واحد. وتؤكد: «من وجهة نظري، حجم المناهج أكبر بكثير من الزمن الدراسي الفعلي».

وطالبت مؤسس جروب “معًا لغدٍ مشرق" التعليمي وزارة التربية والتعليم بـ: أولًا: تخفيف المناهج بشكل مدروس على أن يتم الاختصار دون الإخلال بالمحتوى العلمي، وبما يناسب قدرات الطلاب الفعلية في كل مرحلة.

ثانيًا: توفير أدلة إرشادية واضحة تساعد الطالب والمعلم ووليّ الأمر على ترتيب الأولويات داخل المنهج، وتسهّل عملية الفهم والمتابعة.

ثالثًا: تدريب المعلمين مسبقًا ومستمرًا وخاصة على المفاهيم الأساسية والأساليب التربوية التي تتوافق مع منظومة المناهج الجديدة، لأن التطوير الحقيقي يبدأ من المعلم داخل الفصل.

واختتمت رودي نبيل حديثها بأن تطوير المناهج خطوة مهمة وضرورية، لكن نجاحها مرهون بإعادة ضبط حجم المحتوى، وتدريب الكوادر، وتوفير الأدوات المساندة التي تضمن أن يصل الطالب لأقصى استفادة ممكنة.

 

تطوير المناهج خطوة مهمة لكن الكم يفوق الكيف ويهدد تجربة التعلم

من جهتها قالت ميرفت عويس، خبيرة تربوية، إن عملية تطوير المناهج تعد خطوة مهمة لمواكبة التطور العالمي، مؤكدة أن المناهج المطورة تركز بشكل أكبر على المهارات والتفكير، وهو ما يحتاجه الطالب في الوقت الحالي.

وأضافت عويس أن الطلاب استفادوا بالفعل من التطوير، إلا أن أبرز المعوقات تكمن في طول المناهج الدراسية، ما جعل التركيز ينصب على إنهاء المنهج وفق الخطة الدراسية بدلًا من ممارسة الأنشطة والاستمتاع بالمحتوى التعليمي.

وشددت على أهمية ملاءمة المنهج مع خطة العام الدراسي، سواء السنوية أو الشهرية أو الأسبوعية، مع مراعاة أوقات التقييمات، لضمان تحقيق تعلم أفضل وليس مجرد زيادة في كمية المواد.

ميرفت عويس خبيرة تربوية
ميرفت عويس خبيرة تربوية

مفاجآت صادمة بشأن حقيقة تطوير المناهج الدراسية

وفي سياق كشف الدكتور عبدالمنعم إبراهيم سليمان، رئيس المكتب الفني ورئيس قسم العلوم بمركز تطوير المناهج والمواد التعليمية خلال الفترة من 2008 حتى 2023، والمستشار السابق بمشروع تحسين التعليم التابع للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، عن مفاجآت صادمة بشأن حقيقة تطوير المناهج الدراسية، مؤكدًا أن ما أعلنه محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم حول تطوير المناهج وفقًا للمعايير الدولية «لم يحدث على الإطلاق».

وقال سليمان، في تصريحات نشرها على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إنه شاهد مباشر على عملية التطوير منذ بدايتها، موضحًا أن الشركات الأجنبية التي أسند إليها إعداد مناهج العلوم والرياضيات في عهد الوزير الأسبق الدكتور طارق شوقي لم تستند لأي معايير دولية أو مصرية في بناء المحتوى.

قص ولصق.. وإلقاء المعايير في “صندوق القمامة”

وأوضح سليمان أن شركة ديسكفري الأمريكية المسؤولة عن تطوير مناهج العلوم والرياضيات في المرحلة الابتدائية تجاهلت تمامًا الإطار العام للمناهج المصرية والأطر النوعية التي تضم المعايير والمؤشرات المعتمدة في مصر. وأضاف: «الإطار العام للمناهج والأطر النوعية التي وضعناها وفقًا للمعايير القومية المصرية ومعايير ضمان الجودة… ألقيت في صندوق القمامة».

وأكد أن الشركة اعتمدت بدلًا من ذلك على «القص واللصق» من مشروعات تعليمية محلية داخل الولايات المتحدة، وتحديدًا مشروع NGSS (الجيل التالي للعلوم) بولاية ويسكونسن، رغم أنه لا يمثل معايير قومية شاملة، لأن الولايات المتحدة لا تمتلك معايير وطنية موحدة للتعليم من الأساس.

 الدكتور عبدالمنعم إبراهيم سليمان
 الدكتور عبدالمنعم إبراهيم سليمان

مناهج بلا بنية ولا تسلسل.. والأخطاء بالجملة

وأكد سليمان أن مناهج العلوم للصفوف (الرابع والخامس والسادس الابتدائي) خرجت في صورة «مهترئة»، بلا بنية واضحة أو تسلسل أفقي ورأسي، وبكم هائل من المعلومات لا يناسب قدرات الطلاب ولا البيئة المصرية، إلى جانب أخطاء عديدة — وصفها بـ«الكثيرة للغاية» — لا تزال “تُنهك” الميدان التعليمي حتى اليوم.

وأشار إلى أنه رفض هذه المناهج رسميًا بصفته رئيسًا لقسم العلوم بمركز تطوير المناهج في ذلك الوقت، لكن العمل بها استمر رغم التحذيرات، ما تسبب بحسب قوله في مشكلات واسعة كانت أحد الأسباب الرئيسية في إقالة الوزير الأسبق الدكتور طارق شوقي وفريقه ومديرة مركز تطوير المناهج.

وأوضح أن محاولات الإصلاح اللاحقة لم تنجح في إحداث تغييرات جذرية، لأن «البنية نفسها غير صالحة»، وظلت المناهج حتى الآن غير مناسبة للطلاب من حيث الكم أو الكيف.

انفصام بين الابتدائي والإعدادي: مناهج بلا رابط

وأضاف سليمان أن الشركة لم تُكمل تطوير مناهج المرحلة الإعدادية كما كان متفقا، ما أدى إلى تكليف شركات مصرية بتأليف كتب الإعدادي، ليحدث «انفصام كامل» بين المرحلة الابتدائية والإعدادية؛ إذ لم تبن المناهج على مصفوفة معايير واحدة متدرجة تربط سنوات التعليم قبل الجامعي.

وأشار إلى أن الأمر نفسه تكرر مع مناهج اللغة الإنجليزية (المستوى الرفيع) ومناهج ناشيونال جيوغرافيك وغيرها، قائلًا: «كانت تسير وفق أهواء الشركات.. مناهج ضخمة بلا معايير ولا منطق».

رسالة حاسمة للدكتور محمد عبد اللطيف: لا تجمّلوا الواقع

وفي ختام حديثه، وجه سليمان رسالة مباشرة إلى الدكتور محمد عبد اللطيف، مؤكدًا أن الميدان التعليمي «يحترق» بسبب هذه المناهج، والطلاب «يعانون أشد المعاناة» من محتوى وصفه بـ«الفاشل».

وقال بلهجة واضحة: «لا داعي لتجميل الصورة.. كيف تكون المناهج بنيت على معايير عالمية وهي لم تبن على أي معايير أصلًا؟»

وشدد على ضرورة العودة إلى المعايير القومية المصرية 2003، التي قال إنها «قوية جدًا» ومواكبة لأحدث الاتجاهات العالمية، معتبرًا أنها السبيل الحقيقي لبناء مناهج مستقرة وفعالة تناسب البيئة والهوية المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء