من الرافعي إلى العقاد.. أشهر معارك طه حسين الفكرية
لم يكن الجدل حول طه حسين مجرد سجالٍ عابر بين مثقفين، بل بدا أقرب إلى سلسلة من المعارك الفكرية التي امتدت لعقود، وتداخلت فيها المواقف الشخصية مع الرؤى النقدية، حتى تحولت إلى مشهد كامل يعكس اضطراب الحياة الثقافية في مصر مطلع القرن العشرين، فمنذ أن أصدر كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926، بدا كأن الرجل قد فتح باباً لا يُغلق، إذ خرجت في مواجهته أصوات من مدارس فكرية شتى، كل منها تراه من زاوية مختلفة، لكنها تشترك في قناعة واحدة، وهو أنه صاحب مشروع ثقافي جريء يتميز بقدرته على التحديث وكسر القوالب الفكرية القديمة.
1. خلافه مع مصطفى صادق الرافعي
كان مصطفى صادق الرافعي أول من رفع راية المواجهة، حين نشر مقالاته الشهيرة في جريدة «كوكب الشرق» قبل أن يجمعها في كتاب «تحت راية القرآن»، رداً مباشراً على «في الشعر الجاهلي»، وأخذ الرافعي على طه حسين جرأته في تفسير النصوص، معتبراً أن ما كتبه يمس ثوابت الدين واللغة، فاضطر الناشر إلى سحب الكتاب من الأسواق قبل أن يعاد طرحه في العام التالي بعنوان «في الأدب الجاهلي» بعد حذف الفصول الأكثر إثارة للجدل، ولأن الرافعي كان يرى أن المعركة أكبر من مجرد نص، تناول شخصية طه حسين نفسه، وناقش أصل منهجه ومرجعيته الفكرية، في هجوم صار لاحقاً مرجعاً أساسياً لكل من تصدى لآراء عميد الأدب العربي.
2. خلافه مع زكي مبارك
أما زكي مبارك، فقد خاض مع الرجل مواجهة من نوع آخر، بدت أول الأمر علميةً ثم تحولت إلى صراع شخصي استمر إلى ما يقرب من تسع سنوات، إذ كان مبارك يرى أن طه حسين شديد الانبهار بالحضارة اليونانية، وأنه ينقل عن المستشرقين دون تمحيص، بينما كان هو يدافع عن أصالة الأدب العربي وقدرته على الإبداع قبل الإسلام وبعده، ثم اشتد الخلاف حول «النثر الفني» وحول تاريخ تشكّل الذائقة العربية، وبعد ذلك انفجر الصراع حين عاد طه حسين إلى الجامعة بعد أزمته السياسية، فيما رفض تجديد عقد مبارك، لتتحول الخصومة الفكرية إلى ما عُرف لاحقاً بـ«معركة لقمة العيش».
3. خلافه مع محمود شاكر
وفي جانب أكثر حدّة، وقف محمود شاكر، الذي رأى أن مشكلة طه حسين ليست مجرد منهج، بل أزمة في الأساس الفكري نفسه، وعندما تحدث طه حسين عن منهج ديكارت، اتهمه شاكر بأنه يسيء فهم الفيلسوف الفرنسي، بل ويقدّم «صورة كاذبة» عن القدرة على تجريد العقل من كل ما سبق، ولم يتردد شاكر في القول إن طه حسين «ضعيف العقل والنفس»، لكنه في الوقت ذاته نفى عنه الحقد أو سوء النية، معتبراً أن الأزمة ناتجة عن انبهار غير محسوب بالثقافة الغربية.
4. خلافه مع عبد العظيم أنيس ومحمود أمين
وسار في الاتجاه ذاته اثنان من أبرز النقاد اليساريين: عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم، فبدلاً من الخوض في قضايا الدين والتراث، انتقدا منهج طه حسين الأدبي نفسه، معتبرين أنه تجاوزته اللحظة الفكرية، وأن النقد الحديث يجب أن يتأسس على بعد اجتماعي واقتصادي لا على تحليل لغوي أو نفسي كما كان يفعل العميد، فجاءت مقالاتهما حادة، لا توفر الكثير من المجاملة، ما جعلها جزءاً من موجة نقدية جديدة تتحدى رموز النهضة الأولى.
5. خلافه مع أنور الجندي
وفي سياق تجميع هذه المعارك، جاء أنور الجندي ليوثّقها من زاويته الخاصة في كتابه «المعارك الأدبية»، ثم لاحقاً في «محاكمة فكر طه حسين»، حيث قدّم ما يشبه السجل الكامل لخصومات الرجل الفكرية والسياسية، مستعرضاً ما وصفه بـ«الانحرافات العقدية والفكرية» لطه حسين، حتى وصلت لواحد وثلاثين تهمة، وقد ركّز الجندي على ما اعتبره «مشروعاً تغريبياً» تبناه طه حسين بهدف إرساء منهج الشك في التراث الإسلامي، مستشهداً بمحاضراته الجامعية وكتاباته التي ناقشت وجود إبراهيم وإسماعيل، وتعامله مع القرآن بوصفه نصاً أدبياً.
6. خلافه مع عباس محمود العقاد
ومع كل هذه المواجهات، كان لـ عباس محمود العقاد نصيب الأسد في هذا المشهد الجدلي، صحيح أن خلافه مع طه حسين كان أخفّ مما جرى مع الرافعي أو شاكر، لكنه بقي خلافاً ذا نبرة خاصة، يدور حول شخصية أبي العلاء المعري الذي كان يمثل بالنسبة لطه حسين أكثر من مجرد شاعر قديم، لكن العقاد كان يرى أنه ليس صاحب خيال واسع في «رسالة الغفران»، ما دفع طه حسين إلى اعتبار حكمه «نكراً من القول»، لأن المعري كان في نظره امتداداً وجدانياً وشخصياً لحياته هو، حتى إنه وجد في فلسفته وعمائه وظروفه شيئاً يشبه مرآةً تكشف أعماقه.