اقتصاد مزدهر أم نفق مظلم.. ماذا بعد خروج مصر من عباءة صندوق النقد؟|تفاصيل
في لحظة فاصلة من تاريخ الاقتصاد المصري، تقف الدولة على مفترق طرق حقيقي: بعد سنوات من برامج الإصلاح والتمويل مع صندوق النقد الدولي، هل تنجح الحكومة في تحقيق اقتصاد مزدهر ومستقر، أم ستسقط في نفق مظلم من الضغوط المالية والدين المتصاعد؟
مع انتهاء البرنامج الأخير في منتصف 2026، يطرح السؤال نفسه بلا مواربة، هل تستطيع مصر إدارة دفتها الاقتصادية بمفردها، والحفاظ على المكاسب التي تحققت بعد سنوات من التضخم الفاحش وتراجع الجنيه، وفي الوقت نفسه مواجهة تحديات الدين الخارجي والخدمات الأساسية للمواطنين؟
يفتح «إيجبتك» الصناديق المغلقة ويفتش في سراديب الاقتصاد المصري، مستعرضًا آراء أبرز الخبراء الاقتصاديين، ويكشف الرهانات الحقيقية، المخاطر الجسيمة، والفرص المتاحة، والجهود المضنية، في مرحلة جديدة من الإدارة الاقتصادية الوطنية، حيث لا صكوك ضمان دولية، ولا أعين الرقابة الدولية، بل مجرد إرادة سياسية وكفاءة فنية وقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والنمو وسط تحديات هائلة.
أين يقف الاقتصاد المصري؟
يشهد الاقتصاد المصري مرحلة من الاستقرار التدريجي بعد سنوات معبة بـ الأحمال والضغوطات على المواطنين جراء الإصلاحات النقدية والمالية المكثفة، وصلت فيها معدلات التضخم لأعلى مستوياتها عند 36%، وتراجع الجنيه أمام الدولار إلى نحو 70 جنيهًا في السوق الموازية، إلا أن الاقتصاد المصري التقط أنفاسه بعد عقد صفقة رأس الحكمة مقابل بقيمة 35 مليار دولار.
والآن، تكشف البيانات الرسمية وفقًا للبنك المركزي، أن معدلات التضخم العام بلغت 12.5%، بينما سجل التضخم الأساسي 12.1%، وأسعار الفائدة على الإيداع والإقراض 21% و22% على التوالي، وفق بيانات البنك المركزي في نوفمبر 2025. كما ارتفع النمو الاقتصادي المتوقع للسنة المالية 2025/2026 إلى نحو 4.5%، مدفوعًا بتحسن الاستثمار، وتدفقات التحويلات من المصريين العاملين في الخارج، والتعافي الجزئي لقناة السويس، إلى جانب استمرار المشروعات الكبرى في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
الديون والخزينة العامة
على الرغم من هذا الاستقرار، يواجه الاقتصاد تحديات كبيرة على صعيد الدين الخارجي، الذي بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من 2025، مع سداد 30.1 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من العام. ويظل جزء كبير من الإيرادات العامة موجهًا لخدمة الديون، مما يفرض ضغوطًا على الموازنة ويحد من قدرة الدولة على الإنفاق الرأسمالي والاجتماعي، ويزيد الحاجة إلى إدارة مالية دقيقة للحفاظ على التوازن بين النمو واستقرار الأسعار.
مستقبل النمو والتمويل
تشير التقديرات الدولية إلى استمرار نمو الاقتصاد المصري خلال الأعوام المقبلة، مع توقعات صندوق النقد الدولي بنمو 4.5% للسنة المالية 2025/2026، والبنك الدولي 4.3%، ووكالات التصنيف الائتماني مثل موديز وستاندارد أند بورز وفيتش تؤكد تحسن الوضع الاقتصادي مع تصنيف ائتماني مستقر أو إيجابي. ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي مرتبطًا بتحقيق استدامة التمويل، وتوفير الموارد اللازمة لدعم التنمية الاجتماعية والبنية التحتية، دون الاعتماد الكلي على برامج التمويل الخارجي، وهو ما تؤكده الحكومة بقيادة الدكتور مصطفى مدبولي.
في ضوء هذا الواقع الاقتصادي الراهن، تتباين آراء الخبراء حول قدرة الحكومة المصرية على إدارة المرحلة المقبلة من دون الاعتماد على برامج التمويل الدولية، وهو ما نستعرضه فيما يلي.
من ممول لمستشار .. ماذا يعني التحول في علاقة مصر مع صندوق النقد؟
يرى الخبراء أن العلاقة الحالية بين مصر وصندوق النقد الدولي تختلف تمامًا عن المراحل السابقة، فهي لم تعد علاقة تمويل مباشر، بل تحولت إلى علاقة استشارية فنية، مع الاحتفاظ بحق الدولة في إدارة دفتها الاقتصادية بشكل مستقل.
ليس انسحابًا ولا تعثرًا
ويقول محمد عبد العال، الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، إن «تطور علاقة مصر مع صندوق النقد الدولي من مقترض إلى مستفيد من الاستشارات الفنية فقط، ليس انسحابًا ولا تعثرًا، بل تغيير في تموضع القوة المالية بعد استعادة القدرة على توفير النقد الأجنبي من مصادرها الذاتية، سواء عبر الإصلاحات النقدية التي بدأت في مارس 2024 أو عبر تدفقات قوية من الاستثمار والسياحة والتحويلات وصفقات كبرى مثل رأس الحكمة وعلم الروم.

غير قابل للاستيعاب اقتصاديًا
بينما يرى ماجد فهمي، الخبير المصرفي ورئيس بنك التنمية الصناعية الأسبق، أن الحديث عن عدم احتياج مصر لتمويل جديد من صندوق النقد الدولي «غير قابل للاستيعاب اقتصاديًا»، مؤكدًا أن الواقع والأرقام يشيرون إلى استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي سواء عبر الصندوق أو من خلال تدفقات الأموال الساخنة، التي وصفها بأنها «أحد أخطر أنواع التمويل»، مشيرًا إلى أن خروج هذه الأموال في 2021 تسبب في أزمة دولار خانقة وظهور سوق موازية امتدت لقطاع الاعتمادات المستندية.
الدولة لم تنجح خلال فترة إشراف الصندوق
أما وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، فيلفت إلى أن الحديث عن عدم احتياج مصر لبرنامج تمويل جديد «غير واقعي»، لأن الدولة لم تنجح خلال فترة إشراف الصندوق في استكمال الإصلاحات الهيكلية، رغم تحقيق تقدم كبير في الإصلاح المالي، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات بعد انتهاء الرقابة الدولية.

ويضيف الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن انتهاء برنامج مصر مع صندوق النقد والاكتفاء بالدور الاستشاري دون الحصول على تمويلات جديدة خطوة تحمل فرصًا مهمة لكنها تترافق أيضًا مع مخاطر حقيقية، مؤكّدًا أن القرار ليس مثاليًا بالكامل، وأن نجاحه يعتمد بشكل أكبر على ما ستفعله الحكومة خلال الفترة المقبلة.
أدوات الدولة لإدارة الاقتصاد
من جانب آخر، يبرز محور هام يحمل ملامح المستقبل، وهو مدى قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد دون الاعتماد على قروض الصندوق، خاصة بعد اعتماد البنك المركزي سياسة نقدية صارمة وفعالة، مكنته من خفض معدلات التضخم السنوي إلى 12.6% بنهاية أكتوبر 2025، وارتفاع الاحتياطي النقدي إلى أكثر من 50 مليار دولار لأول مرة.
يقول محمد عبد العال أن برامج مصر السابقة مع الصندوق نجحت في تثبيت الاقتصاد وقت الصدمات، لكن المرحلة الحالية تختلف، فمصر لم تعد بحاجة لمزيد من الاقتراض بعد استقرار سعر الصرف، القضاء على السوق الموازية، تراجع التضخم لمستويات 12%، إلى جانب تعافي الاحتياطي النقدي، واقتراب قناة السويس من العودة لمستوياتها الطبيعية خلال أشهر.
وأضاف أن رفع الفائدة، امتصاص السيولة، التشديد عبر آليات السوق المفتوحة، ورفع الاحتياطي الإلزامي كلها خطوات ساعدت على كبح التضخم من 38% إلى 12% خلال عام واحد دون تدخل مباشر من الصندوق.
في المقابل، يرى ماجد فهمي أن الاعتماد على بيع الأراضي وصفقات مثل رأس الحكمة وعلم الروم «ليس نموذجًا مستدامًا»، وأن برنامج الطروحات ما زال متعثرًا، مؤكدًا أن الحديث عن الاستغناء عن الاقتراض «غير منطقي»، لأن خدمة الدين الخارجي تتصاعد، والتقديرات الدولية تشير إلى زيادة الدين خلال العام المقبل، إلى جانب توقعات بارتفاع سعر الدولار مجددًا، كتوقعات النقد الدولي بأن يصل إلى 54 جنيها في 2026، مع عودة الضغوط التضخمية مع زيادة أسعار الكهرباء والدواء والاتصالات المرتقبة.
أما وائل النحاس، فيحذر من أن غياب الرقيب الدولي يرفع مستوى المخاطر، ويقول: «طول فترة إدارة الصندوق كانت الحكومة تعمل حسابًا لكل خطوة، وكان هناك شفافية في البيانات. لكن اليوم، من سيحاسب؟ البرلمان؟ أين دوره؟»، مشيرًا إلى أن برامج الإصلاح الهيكلية ما زالت غائبة، وأن بيع الأصول بشكل متكرر ليس حلًا مستدامًا، حيث يبقى الدين في ارتفاع مستمر، والالتزامات تتضخم.

ويشدد الدكتور علي الإدريسي على أن نجاح إدارة المرحلة الجديدة يعتمد على وضع خطة واضحة، محددة بزمن، وقابلة للقياس، مع الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتراجع التضخم، ونمو الاحتياطي النقدي، وتهيئة مناخ الاستثمار بشكل يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
الثقة الدولية والاستقرار المالي
يشير الخبراء إلى أن نجاح مرحلة ما بعد صندوق النقد يعتمد على قدرة مصر على الحفاظ على ثقة المستثمرين، واستقرار النظام المالي، واستمرارية النمو.
محمد عبد العال أكد أن توقف مصر عن طلب قروض جديدة يعزز «الجدارة الائتمانية» ويقوّي موقف مصر أمام المستثمرين الأجانب، ويعكس قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها ذاتيًا. وأضاف أن الأموال الساخنة لم تعد تمثل خطرًا بعد فصلها تمامًا عن الاحتياطي واستخدامها في أدوات قصيرة الأجل فقط، ما يتيح خروجها ودخولها دون التأثير على استقرار النظام المالي.
على الجانب الآخر، حذر ماجد فهمي من الاعتماد على الأموال الساخنة باعتبارها تمويلًا خطيرًا، بينما يوضح وائل النحاس أن 80% من إيرادات الدولة تُوجَّه لسداد فوائد الدين، وأن أي حديث عن بدائل تمويلية دون إصلاحات جذرية «مجرد كلام نظري»، محذرًا من أن غياب الضمير الاقتصادي أخطر من غياب الصندوق، وأن الواقع لا يحتمل تجميلًا.
أما الإدريسي، فشدد على أن الفرص تتمثل في إمكانية استعادة استقلال القرار الاقتصادي، وتحسين التصنيف الائتماني، وزيادة جاذبية الاستثمار إذا أثبتت مصر قدرتها على إدارة المرحلة الجديدة بثبات، لكنه حذر من أن غياب الإرادة والكفاءات سيجعل أي برنامج وطني مجرد عنوان بلا مضمون.
التحديات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية
مع هذا، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات حقيقية في مجالات مثل الخدمات الأساسية، قطاع الأعمال العام، إدارة الدين، والإنفاق الحكومي، فيؤكد وائل النحاس أن غياب الرقيب الدولي يرفع المخاطر، والإصلاحات الهيكلية ما زالت غائبة، ولا يوجد توجه نحو زيادة التصنيع أو تطوير الموانئ، متسائلًا: «من أين ستأتي الموارد الحقيقية؟»
وأشار ماجد فهمي أن الاعتماد على بيع الأراضي وصفقات مثل رأس الحكمة وعلم الروم «ليس نموذجًا مستدامًا»، وأن برنامج الطروحات ما زال متعثرًا ولا يمكن التعويل عليه لتغطية الالتزامات الضخمة من خدمة الدين والإنفاق العام.
وشدد الإدريسي على أن التحديات تشمل مستويات الأسعار، مستوى معيشة المواطنين، وجودة الخدمات الأساسية، وأنها تحتاج إلى إصلاحات حقيقية قائمة على التنفيذ وليس مجرد المسميات أو الحملات الإعلامية.

المخاطر والفرص
لعل كل ما سبق يؤكد أن المرحلة المقبلة بدون تمويل صندوق النقد، تحمل مخاطر كبيرة، مثل تتضمن فقدان ثقة المستثمرين، اتخاذ قرارات تضخمية، استمرار ارتفاع الدين، وغياب الرقابة الفعالة. لكنها تترافق أيضًا مع فرص إذا نجحت الدولة في إدارة الاقتصاد وإجراء الإصلاحات الهيكلية، وتوفير التمويل الخارجي عبر مشروعات إنتاجية قصيرة العائد، حيث إلى أن الفرص تكمن في استعادة استقلال القرار الاقتصادي، تحسين التصنيف الائتماني، وخلق بيئة استثمارية جاذبة.
وعليه، يرى محمد عبد العال أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على إدارة اقتصادها بآلياتها الذاتية بعد تجاوز أخطر مراحل الضغوط. وهما ما لفت إليه الإدريسي، الذي يرى أن «الخروج من الصندوق ليس هدفًا في حد ذاته… الهدف الحقيقي هو امتلاك برنامج وطني تنفيذي قادر على خلق استقرار اقتصادي حقيقي. من دون خطة واضحة وإدارة كفؤة… سيكون الخروج بلا قيمة.»
في المجمل، نجد أن الخبراء يؤكدون أن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على مزيج من الإرادة السياسية القوية، الكفاءات الفنية، جودة السياسات النقدية والمالية، والالتزام بخطة إصلاحية واضحة ومحددة زمنياً، وليس مجرد قرار الخروج من صندوق النقد الدولي. وتظل الرؤية المتكاملة حول الاستقرار المالي والاقتصادي، وثقة المستثمرين، والإصلاحات الهيكلية، العامل الأساسي الذي سيحدد مستقبل الاقتصاد المصري في السنوات المقبلة.