مفهوم الاستعلاء بالإيمان في أصله الشرعي هو منزلة قلبية سامية تعني العزة والكرامة المستمدة من التمسك بالحق، لكن هذا المفهوم النبيل لم يسلم من التشويه والتحريف على يد الجماعات المتطرفة والمتشددة التي حولته مِن مصدر للعزة والرحمة إلى منطلق للتكفير والعزلة والتعالي المذموم على الخلق.
لقد اتخذت هذه الجماعات من مصطلح "الاستعلاء بالإيمان" ركيزة فكرية لتبرير منهجها الإقصائي، ففهمته على أنَّه احتِكارٌ للحق المطلق، ونظرة دونيَّة واحتقار لكل مَن يخالفها في الرأي أو المنهج، سواء كانوا من غير المسلمين أو حتى من عموم المسلمين الذين لا يتبنون فكرهم المتشدد.
ويُعد هذا التفسير المنحرف للمفهوم أحد أهم المنطلقات الفكرية التي أسست لظاهرة التطرف المعاصر، حيث استند منظرو هذه الجماعات -وعلى رأسهم بعض المفكرين الذين أُسيء فهم نصوصهم- إلى تفسير قاصر لآيات كريمة مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
فبدلًا من أن يُفهم العلو هنا على أنَّه علو في المبدأ والقيمة والأخلاق، وعلو بالمنهج الرباني على المناهج الوضعية، قامت هذه الجماعات بتأويله ليصبح علوًا شخصيًّا يمنحهم الحق في تصنيف الناس، وتكفير المجتمعات، والانعزال عن الواقع، بل وتبرير العنف ضد المخالفين.
هذا الفهم المغلوط أدى إلى نشوء ما يُعرف بـ "عقلية المفاصلة"، حيث يرى المتطرِّف نفسه في معسكر الإيمان المطلق، بينما يرى الآخرين في معسكر الجاهلية والضلال، مما يقطع جسور التواصل والحوار، ويُغذِّي مشاعر الكراهية والعداء.
إنَّ الخطاب الإعلامي الشرعي الرصين مطالب اليوم بتفكيك هذا المفهوم المشوَّه، وتوضيح الفارق الجوهري بين العزة الإيمانية الممدوحة والاستعلاء المذموم، فالعزة الإيمانية الحقيقية تدفع المؤمن إلى التواضع للحق، والرحمة بالخلق، والعمل على إصلاح المجتمع لا الانعزال عنه، فهي عزة تدعو إلى الإتقان والريادة الحضارية، لا إلى التكبر والتعالي.
أمَّا الاستعلاء الذي تروِّج له الجماعات المتطرفة، فهو في حقيقته مُركَّب نقص مغلَّف بغرورٍِ ديني، حيث يسعى المتطرِّف لتعويض عجزه عن التفاعل الإيجابي مع الواقع باللجوء إلى الشعور الزائف بالتفوق الروحي، مما يجعله يمارس الإقصاء والتسلُّط باسم الدِّين، ويُؤدِّي به إلى حالة من العزلة الفكرية والاجتماعية التي تُكرِّس الانغلاق وتمنع المراجعة والتصحيح.
هذا الانحراف في الفهم لا يقتصر أثره على العلاقة بالمجتمع فحسب، بل يمتد ليصبح سببًا في النزاعات الداخلية بين هذه الجماعات نفسها، حيث يصبح كل فصيل يرى أنَّه وحده المستعلي بإيمانه، وأنَّ غيره من الفصائل ضال أو منحرف، وهو ما يُفسِّر الاقتتال الداخلي الذي شهدته هذه التنظيمات على مر التاريخ.
وفي هذا السياق... يجب على الإعلام أن يُبرِز أنَّ الاستعلاء بالإيمان الصحيح هو استعلاء بالقيم الإنسانية العليا التي جاء بها الإسلام: العدل، والرحمة، والصدق، والأمانة، وهو ما يتجلى في خدمة البشرية جمعاء، لا في احتقارها، فالنظرة الشرعية الصحيحة تُؤكِّد أنَّ المؤمن الحق هو مَن يرى نفسه مُقصِّرًا في حق الله، ويسعى جاهدًا ليكون قدوة حسنة، لا مَن يرى نفسه وصياً على الإيمان ومحتكرًا للجنة.
التفسير المتطرف لمفهوم "الاستعلاء بالإيمان" هو الذي يُمثِّل أحد أخطر الأبواب التي ولجت منها الجماعات المتشددة إلى دائرة العنف والتكفير، مما يتطلب جهدًا إعلاميًّا وشرعيًّا متواصلًا لتصحيح هذا الانحراف الفكري، وإعادة المفهوم إلى سياقه الصحيح كمنطلق للعزة والكرامة والتعايش الإيجابي، بعيدًا عن كل صور الغلو والتطرف.
والمسؤولية الإعلامية تقتضي فضح هذا التلاعب بالمصطلحات، وتبيان أنَّ العزة الحقيقية لا تُكتسب بالدم أو التكفير، بل بالبناء والإصلاح والتسامح، ويجب في هذا السياق أن يُعاد تقديم المفهوم الأصيل للعزة الإيمانية كقوة دافعة نحو الإيجابية والمشاركة الفاعلة في بناء الأوطان، لا كأداة للهدم والإقصاء.
ففي ظَنِّي: أنَّ المعركة الفكرية ضد التطرف تبدأ بتصحيح المفاهيم، و"الاستعلاء بالإيمان" المُشوَّه هو أحد أهم هذه المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة بناء وتأصيل شرعي وإعلامي عميق، ليصبح سدًّا منيعًا أمام كل من يحاول اختطاف الدين وتشويه صورته السمحة