رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فقد 100 فرد من عائلته.. قصة محمد جحا الناجي من المقبرة في غزة

الشهيد الحي - محمد
الشهيد الحي - محمد جحا

روى الفلسطيني محمد جحا، تفاصيل نجاته المعجزة بعد أن ظنه الجميع شهيدًا، إثر القصف الإسرائيلي الذي دمّر المنزل الذي كان يضم نحو 150 فردًا من عائلته والنازحين في حي التفاح شرق مدينة غزة في ديسمبر 2023، حيث استعاد ذكريات اليوم المشؤوم في 6 ديسمبر 2023، حين تحوّل المنزل إلى مقبرة جماعية خلال لحظات، وحصد القصف أرواح قرابة 100 فرد من أقربائه.

وأوضح محمد جحا، خلال حديثه لقناة الجزيرة، أن العائلة حاولت مرارًا الفرار نحو مراكز الإيواء، لكن المدارس كانت مكتظة وغير قادرة على استيعابهم. ومع عودة القصف الشديد حول المنطقة، قررت والدته – رحمها الله – أن يبقوا داخل المنزل قائلة: «ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت». لكن القرار كان بداية الكارثة التي قلبت حياته رأسًا على عقب.

لحظة الانفجار والضياع

يتذكر محمد جحا، أن كل فرد داخل المنزل كان يقوم بمهامه اليومية حين سقط صاروخ مباشر على البيت. سادت الفوضى، تحول الجو إلى ضباب كثيف، وسقط الركام فوق الجسد والروح، قائًلا: «فقدت الوعي تمامًا، وما تذكرت أي لحظة من الضربة»، وتمكن الجيران من استخراجهم من تحت الأنقاض، فنقلوا المصابين على عربات بدائية نحو المستشفيات القليلة التي كانت لا تزال تعمل.

وتابع محمد جحا: "مع اشتداد القصف، توسعت دائرة الدمار، فاستهدف الاحتلال البيت المجاور والمسجد القريب، حتى أصبحت المنطقة «حزامًا ناريًا» وفق وصفه. وفي اليوم التالي، وبينما كان الجيران يكملون عمليات الإنقاذ البدائية، عثروا على رأس إنسان بارز من تحت الركام، فاعتقدوا أنه محمد جحا، وأعلنوا وفاته".

القبر الذي لم يُغلق

بعد أن تأكد الجيران أنه «محمد جحا»، صلّوا عليه بالفعل، ثم نقلوه إلى أرض تابعة لعائلة والده حيث يبدأ تجهيز القبر، لكن قبل إغلاقه، لاحظ أحدهم أن جسده يتحرك وأن نبضه عاد بصورة خافتة. يقول محمد: «لفّوا لي راسي بشاش وربطوه لأن النزيف كان شديد، وما قدروا يوصلوني لأي مستشفى بسبب القصف»، حيث ظلّ ثلاثة أيام بين الحياة والموت داخل منطقة خطرة، حتى تمكن قريب له من التعرف عليه ونقله إلى نقطة إسعاف أولية في مدرسة عبد الفتاح حمودة، ثم إلى مستشفى المعمداني، حيث دخل في غيبوبة طويلة استمرت ثلاثة شهور كاملة.

عندما أفاق محمد جحا، من غيبوبته، لم يعرف أين هو أو كيف جاء إلى المكان. ظن أنه يعيش كابوسًا، لكنه وجد نفسه ينام ويستيقظ في الغرفة ذاتها. وبعد عدة محاولات لطلب تفسير من الممرضات، أخبرته إحداهن بالحقيقة الصادمة: كل عائلته تقريبًا قد استشهدت، كما استشهد والده ووالدته، وشقيقاته، وإخوته، وأعمامه، وأبناؤهم، وأجداده، إضافة إلى عشرات النازحين الذين كانوا في المنزل. يقول بصوت يختنق بالألم: «كلهم راحوا… فوق المية شخص. وأنا واختي بس اللي ظلينا».

وأضاف محمد جحا، أن رفات عائلته لا تزال حتى اللحظة تحت الركام في منطقة صفراء خطيرة لا يسمح بالوصول إليها بسبب القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

الألم الذي لا ينتهي

انتقلت شقيقه محمد جحا، الناجية الوحيدة معه  إلى مستشفى المعمداني وأجرت عمليتين جراحيتين، ولا تزال بحاجة إلى عملية ثالثة خارج غزة. أما هما اليوم، فيعيشان داخل مدرسة تحولت لمأوى للنازحين، في ظروف قاسية للغاية بلا خصوصية ولا خدمات.

يقول محمد جحا:« لما رجعتلي الذاكرة، رجعت كل اللحظات اللي كنا فيها مع بعض في البيت… الضحكة، القعدة، ريحة أهلي… وصار جوايا أنين الفقد… حاجة ما بتتوصفش»، واصفًا شعوره بأنه «غصّة لا تنتهي»، وأن دموعه لم تعد تخرج كما كانت، بل تحولت إلى قهر داخلي يصعب شرحه، مؤكدًا أن ما عاشه لا يمكن لإنسان تحمله.

\

الشهيد الحي - محمد جحا 
الشهيد الحي - محمد جحا 

قصة تختصر مأساة غزة

تعكس قصة محمد جحا حجم المأساة الإنسانية في غزة، حيث يُدفَن الأحياء تحت الأنقاض، ويولد الناجون من تحت الموت ليجدوا العالم الذي عرفوه قد اختفى، ورغم مرور أشهر، لا يزال محمد عاجزًا عن توديع أحبته أو دفنهم، منتظرًا اللحظة التي يستطيع فيها انتشال رفاتهم من خلف الخط الأصفر؛ القصة ليست مجرد حكاية فردية، بل شهادة على كارثة إنسانية مستمرة، وخسارة لا يمكن قياسها بالأرقام، بل بما تبقى في قلب ناجٍ واحد يحمل ذكرى 100 روح رحلت في ليلة واحدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء