كواليس وأسرار جديدة.. مخطط اختلاس محكم للاستيلاء على ملايين «فورى»
حصل "إيجبتك" على النص الكامل للتحقيقات الرسمية وأقوال الشهود والمحاضر الفنية وتقارير الجهات الرقابية في القضية التي يواجه فيها اثنان من مسؤولي الأمن والعهدة بإحدى شركات الحراسة ونقل الأموال الكبرى، اتهامات باختلاس مبالغ مالية ضخمة من شركة "فوري بلس" للخدمات المالية الإلكترونية، بلغت نحو 6 ملايين جنيه، عبر مخطط محكم استغل الثغرات المحاسبية والرقابية داخل منظومة نقل الأموال.
وتكشف أوراق التحقيق، أن الواقعة بدأت حين تلقت شركة الحراسة المتعاقدة مع "فوري بلس" إخطار رسمي من الشركة يفيد بوجود عجز مالي جسيم داخل النظام الإلكتروني لفروع محددة، كان أبرزها فرع مسطرد الذي ظهر فيه أكبر فارق محاسبي، وصل وفق عملية الجرد إلى نحو 6 ملايين جنيه دون مبرر أو مستند رسمي يغطي تلك الأموال المفقودة.
وخلال ساعات طويلة من الاستجواب والتحقيقات على مدار عدة أيام، قدم الشهود ومسؤولو الشركات الفنية والمالية ومسؤولو التحريات روايات تفصيلية حول كيفية وقوع الجريمة، وكيف تمكن المتهمان – باعتبارهما أمناء عهدة ومسؤولي أمن داخل شركة الحراسة – من استغلال طبيعة مهامهما للتلاعب بالمنظومة الإلكترونية والمحافظ النقدية، وإخفاء العجز عبر تحويلات مالية وهمية بين الفروع لتأخير اكتشاف الجريمة.
إخطار عاجل من فوري يكشف فجوة محاسبية وتلاعب ممنهج
وأكد ه ج. أ. (56 عاما)، مدير قطاع نقل الأموال بشركة الحراسة، في شهادته أمام النيابة العامة، أن شركته تلقت إخطارا رسميا من شركة "فوري بلس" بشأن وجود عجز مالي غير مفهوم في عدد من فروعها، وعلى الفور شكلت الإدارة لجنة لجرد الفروع المعنية، برئاسته.
وأوضح أن الإخطار شمل خمسة فروع، بينها فرع مسطرد الذي توجه إليه مع فريق الجرد لإجراء مراجعة دقيقة للأموال النقدية والسجلات المحاسبية.
وخلال الجرد، تبين وجود عجز مالي يقترب من 6 ملايين جنيه، وهي مبالغ لم تستطع اللجنة العثور على أي مستند أو عملية محاسبية تغطيها.
وأضاف الشاهد أن المتهمين الاثنين، وهما المسؤولان المباشران عن عهدة أموال الفرع، تمت مواجهتهما بنتيجة الجرد، وأقرا بوجود العجز، واعترفا بأن الأموال كانت في حوزتهما وقت اكتشاف الواقعة، ما عزز الشكوك بأن الواقعة ليست خطأ إداريًا عابرًا، بل جريمة اختلاس مكتملة الأركان.
وجاءت شهادة إ.ه. ع. م. (49 عاما)، مدير العمليات بشركة الحراسات، لتكشف أن دور المتهمين لم يقتصر على الاحتفاظ بالنقود، بل امتد إلى التلاعب بإجراءات الاستلام والتسليم اليومية.
وأوضح مدير العمليات، أن عمله يشمل الإشراف على سيارات نقل الأموال التابعة للشركة، وأن قائد كل طاقم يقوم بعد الأموال ووضعها في حقائب مؤمنة بقفل مرقّم وتوثيقها بإيصال استلام رسمي، لكن مراجعة النظام المالي أظهرت أن المتهمين كانا يوقعان على الإيصالات دون أن يسلما الأموال فعليا لفرق النقل.
وأشار إلى أن ذلك التلاعب استمر عدة أسابيع، حيث تم اكتشاف عجز متزايد، قبل أن تتأكد اللجنة الفنية من أن الأموال توقفت عند مسؤولي الأمن ولم تغادر الفرع مطلقا، رغم وجود مستندات مزورة تشير إلى خلاف ذلك.
استغلال الوظيفة لإخفاء الجريمة
جاءت تحريات الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة لتؤكد صحة ما أدلى به الشهود، حيث توصلت التحريات إلى أن المتهمين استغلا طبيعة عملهما كمراقبي عهدة داخل شركة الحراسة المتعاقدة مع "فوري بلس"، وأن الأموال كانت بحوزتهما الكاملة، ما أتاح لهما اختلاسها تدريجيا دون لفت انتباه الإدارة.
وأكدت التحريات كذلك وجود تدوير للأموال المختلسة عبر حسابات فرعية، في محاولة لإخفاء مصدرها وتتبعها، وأن المتهمين كانا يسددان جزء من العجز باستخدام تحصيلات جديدة لإبعاد الشبهة عنهما، قبل أن يتراكم العجز ويخرج عن السيطرة.
وانتهت التحريات إلى تطابق أقوال الشهود مع البيانات الفنية، وأن العجز لم يكن ناتجا عن خطأ تقني أو خلل في نظام التشغيل الإلكتروني، بل نتيجة مخطط بشري منظم.
النيابة تنسب للمتهمين جناية اختلاس مال مملوك للغير
وحصل "إيجبتك" على نص أمر الإحالة الصادر من نيابة غرب القاهرة الكلية بإشراف المستشار مصطفى بركات المحامي العام، والذي حمل قائمة الاتهامات كاملة بحق المتهمين "إ. م. أ. (24 عامًا) – مشرف أمن بشركة الحراسة ك. م. إ. (31 عامًا) – مراقب أمن وأمين عهدة بذات الشركة"، واتهمتهما النيابة باستغلال صفتهما الوظيفية واختلاس مبلغ يقارب 6 ملايين جنيه من الأموال المملوكة لشركة فوري بلس، بعد أن كانت بحوزتهما بسبب الوظيفة.
وأكد أمر الإحالة، أن المتهمين تلاعبا بالنظام المالي الإلكتروني المستخدم داخل الشركة، وأجريا تعديلات محاسبية غير قانونية لإلغاء مبالغ نقدية أو تحويل أرصدة بين الفروع، بما يهدف إلى إخفاء العجز وتمكينهما من الاستيلاء على الأموال دون وجه حق.
عجز ضخم ومحضر إثبات حالة وتحويلات غير قانونية
وبالعودة لنص التحقيقات فقد أكد “ص م. ع” (51 عاما)، مسؤول خزينة شركة الحراسة، أن شركته تلقت إخطارا رسميا من “فوري بلس” بوجود عجز مالي كبير في عدة فروع، بينها فرع مسطرد، وقال إنه تم تكليفه مباشرة بإجراء جرد عاجل للخزينة وعد الأموال الموجودة فعليا.
وأوضح الشاهد، أن الفحص أظهر عجزا بقيمة نحو 6 ملايين جنيه غير مدعم بأي مستند رسمي، وتم تحرير محضر إثبات حالة وإخطار الجهات المختصة بالتحقيق.
وأكد أن العجز كشف خللا واضحًا في الرقابة على عمليات التحصيل اليومية ونقل الأموال، خاصة أن موظفي الحراسة هم أصحاب المسؤولية المباشرة عن تلك العمليات.
كما شهد ع ي. س. (33 عام)، نائب مدير إدارة العمليات بشركة فوري بلس، بأن التحقيق الداخلي كشف وجود تحويلات مالية غير مصرح بها بين سبعة فروع، بينها فرع مسطرد، في مخالفة صريحة للتعليمات التي تحظر أي تحويل بين الفروع لتجنب التلاعب.
وأوضح أن تلك التحويلات تسببت في ظهور زيادة وهمية تقدر بنحو مليون جنيه عند الجرد الأولي، قبل أن يتبين أنها كانت تغطية صورية للعجز الأساسي، ما أدى إلى تأخير اكتشاف الاختلاس لأسابيع.
وفي شهادة فنية، أكد شريف عادل محمود (42 عام)، مدير الإدارة العامة لجودة المحتوى والدعم الفني القضائي بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أن اللجنة الفنية التي فحصت نظام "فوري بلس" المحاسبي أثبتت أن العجز ناتج عن تلاعب مباشر داخل النظام، عبر إلغاء بعض العمليات المالية وتحويل أرصدة بطرق غير قانونية، ما تسبب في إخفاء العجز بشكل مؤقت.
وأضاف أن النظام كان يسجل فروقا يومية في الأرصدة، لكن عدم مراجعتها من الإدارة المالية المركزية سمح باستمرار التلاعب حتى وقوع الجريمة.
المتهم الأول يقر بالمخطط
واعترف المتهم الأول إسلام م. أ. أمام النيابة العامة بأنه اختلس مبالغ مالية من خزينة فرع فوري بلس بمسطرد بالتعاون مع زميله كريم م. أ.، وأن كليهما استغلا الثقة الممنوحة لهما بحكم وظيفتهما في تسليم الأموال اليومية لشركة نقل الأموال.
وقال المتهم إنهما كانا يستقطعان مبالغ صغيرة على فترات متقاربة ثم يسددان العجز مؤقتا من أموال التحصيل في اليوم التالي، قبل أن يتراكم العجز ويعجزا عن سده.
وأوضح أنه كان يقوم بتمرير عمليات مالية دون تسجيلها على النظام الإلكتروني، بهدف إخفاء الاستقطاعات المتكررة.
وأضاف أن المبالغ المستولى عليها تم إنفاقها في التزامات شخصية، وأن نيتهما كانت "تسوية العجز لاحقً"، قبل أن يفضح الجرد المفاجئ العملية بالكامل.
وأكدت تحقيقات النيابة، أن تقرير الجهاز القومي للاتصالات والفحص الفني المرفق أثبت أن الاختلاس تم بواسطة مسؤولي شركة الحراسة بصفتهم المسؤولين المباشرين عن استلام وتجهيز الأموال، كما أظهر الفحص وجود تحويلات مالية غير مشروعة بين الفروع، وتسليم الأموال لسيارات النقل في اليوم التالي، ما فتح باب التلاعب وسحب الأموال المحصلة.
وأشارت التحقيقات إلى أن قصور المتابعة اليومية كان أحد الأسباب التي سمحت للجريمة بالاستمرار، وأن الفحص الفني اليومي كان يمكنه اكتشاف العجز مبكرًا لولا ضعف الرقابة الداخلية في شركة الحراسة.

