سر براءة عميد الأدب العربي بعد اتهامات التكفير بسبب «في الشعر الجاهلي»
يتذكر الأدباء والعلماء في شهر مارس من كل عام، اتهامات التكفير التي تعرض لها عميد الأدب العربي طه حسين، وكيف استطاع رجال الدين حينها تعبئة الرأي العام وحشد الجحافل للتظاهر ضد طه حسين، مطالبين بذبحه في ميدان عام، بعد أن نشر كتابه «فى الشعر الجاهلى» عام 1926م.

كتاب «فى الشعر الجاهلى» يقود طه حسين لاتهامات التكفير والزندقة
وسلك طه حسين في هذا الكتاب المنهج الديكارتى في البحث، وكان هذا المنهج غريبًا حينها، لذلك رفضوا الفكرة، خاصة وأن الكتاب اتبع منهج تقدم العقل على النقل، وهذا كان منهجًا مختلفًا عن المناهج التقليدية النقلية، وهو الأمر الذي يعتبر إعلان حرب على التراث الأدبي والشعري، ومن هنا بدأت محنة الأديب طه حسين.

في يوم 5 يونيو عام 1926م، تقدم الشيخ خليل حسين، أحد مشايخ الأزهر، ببلاغ للنائب العام، يتهم طه حسين بأنه كذّب القرآن صراحة وطعن فى آياته، وطعن على النبى وعلى نسبه الشريف، وطالب بمحاكمته، وكتب الشيخ عبد ربه مفتاح رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر مقالا فى مجلة الكواكب، اتهم فيه طه حسين بالزندقة والإلحاد والتعدي على الدين، وأرسل محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر، تقريرًا للنائب العام كفر فيه طه حسين، قائلًا في بلاغه إن الكتاب في ظاهره إنكار للشعر الجاهلي، ولكنه في الحقيقة دعامة من دعائم الكفر ومعولا لهدم الدين، مطالبًا بمحاكمة طه حسين، وكان هذا التقرير موقعًا بعدد من مشايخ الأزهر الشريف، وأرسل شيخ الأزهر حينها تقريرًا إلى أعضاء مجلس النواب يطالبهم بالتحرك ضد طه حسين ومحاسبته.

وصدر ضد طه حسين أكثر من 20 كتابًا، فى الفترة من 1926 إلى 1930م، وسارت المظاهرات بقيادة مشايخ الأزهر تطالب بذبح الأديب طه حسين، والمدهش أن هؤلاء المتظاهرين، معظمهم، لم يقرأ أحدهم "فى الشعر الجاهلي"، وفتحت جريدة الأهرام صفحاتها أمام مشايخ الأزهر يكيلون الاتهامات لطه حسين بالزندقة والإلحاد والخروج من الملة، ومطالبين بإقامة الحد عليه، ولم تكن القضية تتخذ البعد الدينى فقط، لكنها أخذت بعدًا سياسيًا متخفيًا، لأن أراد بعض السياسيين انتهاز الفرصة ومغازلة العوام باللعب على مشاعرهم الدينية لاكتساب شعبية وتحقيق مكاسب سياسية.

سعد زغلول يساعد عضو مجلس نواب بتقديم بلاغ ضد طه حسين
وفي يوم 14 سبتمبر، تقدم عضو مجلس النواب عبد الحميد البنان ببلاغ للنائب العام متهمًا طه حسين بإهانة الإسلام، لكي يبدو أمام العوام بأنه حامى حمى الدين، وتحول البرلمان إلى منصة لإطلاق النار ضد طه حسين، وكان سعد زغلول حينها رئيس البرلمان، وتظاهر طلبة الأزهر مطالبين برأس طه حسين، واتجهت المظاهرة لمنزل سعد زغلول، ولما خرج لهم من شرفة منزله قالوا له: "إننا اتخذناك سلاحًا نحارب به المغتصبين، وإننا نريدك سلاحًا نحارب به الملحدين"، وألقى فيهم سعد زغلول كلمة أساء فيها إلى طه حسين إساءة بالغة، تضمنت "وماذا علينا إذا لم يفهم البقر".
وبالفعل، تم تعبئة الرأي العام ضد طه حسين، وكتبت زوجته فى مذكراتها بعنوان "معك"، أنه عانى محنة قاسية، وبدأ محمد بك نور النائب العام التحقيق مع طه حسين، ولأنه كان شخص مثقفًا كبيرًا ويمتلك عقلا ناقدا واعيًا، كان على علم بمناهج البحث وكيفية توثيق المصادر ومدركًا لأدبيات وقواعد النقل والاقتباس وضرورة التحلي بالأمانة العلمية.

براءة طه حسين مما نسب إليه من حملات تكفيرية
طلب أن يقرأ كتاب «فى الشعر الجاهلى» قراءة جيدة، قبل بداية التحقيق، ولم يتأثر محمد نور بالمناخ العام المعادي لطه حسين، ولا بالمظاهرات أو اتهامات الأزهر ولا مكائد السياسية، واستعان بمراجع علمية ودرس تفاصيل القضية، وأصبح محمد نور يجادل الأديب طه حسين كي، ويكشف له حقيقة تدوينه للكتاب، واستمر التحقيق مع طه حسين لمدة 6 شهور، وفى مذكرة التحقيق لم يستخدم محمد نور لفظ "المتهم" لكنه وصف طه حسين، باستخدام لفظ "باحث"، وأصدر قرارًا تاريخيًا يوم 30 مارس 1927م بحفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة.

ووصف محمد نور كتاب طه حسين بالعبارات التالية: "بحث علمي لا تعارض بينه وبين الدين، ولا اعتراض لنا عليه، وإن العبارات الماسة بالدين التي أوردها الباحث كانت مما تقتضيه قواعد البحث العلمي، وبناءً عليه، ينتفى القصد الجنائي وتحفظ الأوراق إداريًا، وتبرئة طه حسين مما نسب إليه"، واليوم بعد ما يقرب من 100 عام على هذه القصة، أصبح اسم الأديب طه حسين علمًا شامخًا للعالم أجمع.