رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تُعدّ "هيئة تحرير الشام" اليوم الصيغة الأحدث لتنظيم "جبهة النصرة"، الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا، والذي أسسه "أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)" إثر تفاهم مع "أبو بكر البغدادي"، زعيم تنظيم "دولة العراق الإسلامية" قبل أن يتحول إلى "داعش".

 فقد دفع تدفق مقاتلين من العراق نحو سوريا مع اندلاع الثورة السورية "البغدادي" ومستشاره الأبرز "حجي بكر (سمير الخليفاوي)" إلى القلق، قبل أن يوصي الأخير بإيفاد مجموعة إلى سوريا لتأسيس موطئ قدم للتنظيم هناك. 


في تلك اللحظة برز "الجولاني" بخطة لتشكيل فرع للتنظيم في سوريا تحت اسم "جبهة نصرة أهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد"، والذي سرعان ما عُرف اختصارًا باسم "جبهة النصرة"، وبعد سلسلة عمليات نوعية نفذتها الجماعة

خرج "الجولاني" في يناير 2012 ببيان مصوّر أعلن فيه رسميًا عن ظهور التنظيم، استُهل المقطع بصورة قبة الصخرة، في إشارة رمزية إلى تبنيه نهج الجهاد العالمي واستهداف ما يُعرف بـ"العدو البعيد"، عبر انتقاد الغرب واعتبار مواجهته جزءًا من عقيدته القتالية.


وفي عام 2013 أعلن تنظيم داعش فكّ ارتباطه بالقاعدة وإقامة ما سمّاه بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، لتزداد شرارة القطيعة مع جبهة النصرة. حينها خرج "أبو محمد الجولاني" ليؤكد تجديد بيعته لزعيم القاعدة "أيمن الظواهري"

 

ما فجّر عداوة مفتوحة واضحة بين الطرفين قادت إلى معارك دموية ضارية في مناطق نفوذهما.


لكن العلاقة بين النصرة والقاعدة نفسها لم تُكتب لها الاستمرارية؛ ففي يوليو 2016 أعلن "الجولاني" فكّ الارتباط رسميًا بالقاعدة وتغيير اسم تنظيمه إلى "جبهة فتح الشام"، معلنًا أنّ جماعته لم تعد تتبع لأي جهة خارجية. وقدّم هذا التحول بوصفه انتقالًا نحو "محلية" أكبر، مستلهمًا نموذج "طالبان" في محاولة واضحة لاسترضاء الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، أملًا في رفعه من قوائم الإرهاب.


ولتعزيز هذا الخطاب، شنّ "الجولاني" هجمات قوية ضد "كتائب حراس الدين"، التي ضمّت قيادات وعناصر انشقوا عنه محتفظين بارتباطهم بالقاعدة. هذا الصدام رفع منسوب الاهتمام الغربي بتحركات "الجولاني"، وزاد من تسليط الضوء الدولي على مشروعه الجديد. 


وكان أبرز ما حمله إعلان فك الارتباط هو ظهور "الجولاني" بوجهه للمرة الأولى أمام الإعلام، بعدما ظل لسنوات يظهر من الخلف أو يخفي ملامحه تمامًا. 

وفي عام 2017 خطا خطوة أوسع بإعلان اندماج جبهته مع عدد من الفصائل السورية تحت مسمى "هيئة تحرير الشام"، في مرحلة اعتُبرت الأكثر تحولًا في مسار التنظيم.


ومنذ ذلك الحين انتهج "الجولاني" استراتيجية مغايرة جذريًا؛ إذ بدأ يقدّم نفسه في "إدلب"، المعقل الذي يسيطر عليه، بصورة زعيم إداري أو حكومي لا قائد فصيل جهادي. 

ظهر بلباس رسمي مرتديًا البدلة ورابطة العنق، وأسّس حكومة مدنية تمثل السلطة التنفيذية في المنطقة، إلى جانب جهاز أمني حمل اسم "الأمن العام"، وهكذا رسّخ صورة كيان يحاول التحول إلى سلطة محلية متماسكة، في نهجٍ استمرّ حتى سقوط نظام الأسد. 


ويلاحظ المتابع لمسار تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، في الساحل الإفريقي، في ضوء التطورات السابقة، أنّ التنظيم يسير بخطى متطابقة تقريبًا مع النموذجين "طالبان" و"هيئة تحرير الشام" بقيادة "الجولاني". 

 

فمنذ تأسيسه عام 2017 عبر تحالف عدد من الفصائل القتالية في منطقة الساحل، على غرار ما حدث مع "هيئة تحرير الشام"، بدأ التنظيم يتبنى خطابًا وصورة جديدة.
فقد ظهر زعيمه "إياد أغ غالي" بوجهه علنًا وبدأت الحركة تقدّم نفسها في مناطق نفوذها بمظهر سلطات محلية: جباية ضرائب، تنظيم الخدمات، وإدارة شؤون الحياة اليومية، إلى جانب محاولات واضحة لمغازلة الغرب والولايات المتحدة عبر إعلان معارضتها للتوسع الروسي في إفريقيا. 


ولا ينقص التنظيم، ليكتمل النسق، سوى خطوة واحدة، هي، إعلان فك الارتباط بالقاعدة وتقديم نفسه حركة محلية منفصلة عن شبكة الجهاد العالمي. عندها سيغدو نسخة أخرى من "هيئة تحرير الشام" بصيغة إفريقية.


هذا المشهد يعيد التأكيد على ما تمت الإشارة إليه منذ عام 2021، من أن وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان خلق نموذجًا ملهمًا لحركات مسلّحة أخرى تبحث عن شرعية جديدة وصيغ بديلة للبقاء.

 

واليوم يقف العالم أمام مرحلة ترقّب، لمعرفة ما إذا كانت "نصرة الإسلام والمسلمين"، قد اتجهت إلى مفاوضات مع قوى دولية كبرى، خصوصًا تلك التي تتنافس على الذهب واليورانيوم في مالي، وما إذا كانت الأيام المقبلة ستكشف عن صفقة سياسية جديدة في الساحل الإفريقي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء