رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أسرار «في الشعر الجاهلي».. رحلة طه حسين من التشكيك في عقيدته إلى البراءة

طه حسين
طه حسين

في صيف عام 1926، أثار عميد الأدب العربي، طه حسين جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والدينية المصرية بعد نشره كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي»، الذي تناول دراسة نقدية للشعر العربي في العصر الجاهلي ولم يلقَ ترحيبًا من الجميع، بل واجه موجة من الاتهامات التي وصلت حدّ تكفيره والادعاء بأنه أساء إلى الدين الإسلامي، إذ رأى بعض العلماء الأزهريين والنقاد أن ما جاء في الكتاب يمثل طعنًا صريحًا في القرآن والكتب السماوية، ووصفوه بالدعوة إلى الإلحاد والزندقة، الأمر الذي دفع بعض خصومه إلى اعتبار كتابه وسيلة لهدم الموروث الديني والأدبي، واتهامه بأنه مستلهم من الفكر الغربي الوثني.

مواجهة طه حسين للاتهامات القانونية

لم يقتصر الجدل حول طه حسين على النقاش الفكري، بل أخذ طابعًا قانونيًا بعد أن قُدم بلاغ ضده في 30 مايو 1926 إلى السلطات، متهمين إياه بالاعتداء على العقيدة الإسلامية، وبأن مقاصد كتابه كانت تهدف إلى الدعوة للإلحاد.

بعد أكثر من عام، وتحديدًا في 19 أكتوبر 1927، بدأت النيابة التحقيق معه برئاسة محمد بك نور، للتحقق من صحة هذه الادعاءات، ومن أبرز ما واجهه طه حسين خلال التحقيق أنه شكّك في بعض قصص القرآن مثل قصة إبراهيم وإسماعيل، مؤكّدًا أن مجرد ورود أسمائهما في التوراة والقرآن لا يثبت وجودهما تاريخيًا، وهو رأي أثار غضب كثير من العلماء والمؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف الذي ورد منه عدد من المقالات الهجومية.

إضافةً إلى ذلك، اتهمه بعض النقاد بأنه يعيد إنتاج الفكر اليوناني الوثني، ويستلهم من فلاسفة غربيين ملحدين، وأنه ينشر شُبُهًا دينية وينقد التراث والدين الإسلامي، كما اعتبرت التيارات الأصولية كتاباته تهديدًا للأفكار التقليدية لأنها تشجع على التفكير النقدي بدل القبول القائم على الإيمان، وهو ما زاد من حدة اتهاماتهم بأنه ملحد أو مارق عن الدين.

رغم هذه الهجمات، انتهت التحقيقات النيابية دون توجيه أي تهمة جنائية له، إذ لم يجد رئيس النيابة دليلًا على وجود نية للإساءة إلى الدين، وعلى المستوى الشخصي، رد طه حسين على الاتهامات بنفي شديد، مؤكّدًا أنه مسلم مؤمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وأنه لم يكن هدفه من كتاب في الشعر الجاهلي الإساءة إلى العقيدة، بل تقديم دراسة أدبية نقدية.

طه حسين
طه حسين

عودة إلى احترام التاريخ الإسلامي

لاحقًا، عاد طه حسين لمراجعة بعض مواقفه الفكرية والتوازن في تناول المواضيع الدينية، حيث عبّر في كتاباته مثل «حديث الأربعاء» عن رفضه لإلزام الطلاب بدراسة كل الشعر الجاهلي، معتبرًا أن جزءًا منه «ضخم جدًا في ألفاظه» وصعب الفهم، وهو موقف يعكس حرصه على التوازن بين النقد الأدبي والاحترام الديني. 

كما كتب في مرحلة متقدمة أعمالًا مثل «مرآة الإسلام» و«على هامش السيرة»، التي أظهرت احترامه للنبي محمد وتقديره للتاريخ الإسلامي، مقدمًا السيرة النبوية بأسلوب أدبي محبّب.

وبمرور الوقت، صدر عن المثقفين والدعاة كتبٌ ومقالات تُنصف طه حسين، مثل كتيّب الدكتور محمد عمارة الذي يحمل عنوان «طه حسين: من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»، مستعرضًا تطور فكره من الشك نحو العودة إلى الالتزام الديني. 

حتى بعض خصومه في الأزهر لاحقًا أقرّوا بأنه كان «مؤدبًا تجاه النبي»، وأشادوا بكتاباته الإسلامية بعد سنوات من الجدل.

أزمات سابقة في حياته الشخصية

على أن أزمة «في الشعر الجاهلي» لم تكن الأولى، إذ طاردته خصومات متعددة منذ مناقشة أطروحته للدكتوراه عن «تاريخ أبي العلاء المعري» عام 1914، ومن ثم نشر كتابه ذكرى أبي العلاء، حيث اتهمه عبد الفتاح الجمل، عضو البرلمان عن بورسعيد، بالإلحاد والمروق والزندقة، مطالبًا بحرمانه من حقوقه الجامعية. 

كما لم تسلم حياته الشخصية من الهجمات، فزواجه من المسيحية سوزان بيرسو أثار اتهامات سخيفة بأنه تنصّر، بسبب اشتراط عمها القس في الكنيسة الكاثوليكية على مقابلته، لكن طه حسين تمكن بحواره وحكمته من تجاوز هذه الأزمات، مؤكدًا دائمًا على إيمانه الراسخ بالله وعلى موقفه الثابت تجاه الدين الإسلامي، وناشرًا بياناته التي تنفي جميع الادعاءات الموجّهة ضده، ليثبت براءته ويصون مكانته كأحد أعلام الأدب العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء