من عبدالباسط إلى العجمي.. كيف تغيّر ذوق المصريين في سماع القرآن؟
قبل سنوات ليست بعيدة، كان الصوت القرآني المصري هو المرجع الأول للمستمعين في مصر والعالم الإسلامي، فقد شكّلت تلاوات الحصري والمنشاوي وعبدالباسط والطبلاوي وجدان الملايين، وكانت إذاعة القرآن الكريم تصنع صباح المصريين بصوت مدرسة تجويد متقنة، تقوم على المقامات والتلوين الصوتي والروحانية العميقة، لذلك أطلق عليها بحق «مدرسة التلاوة الكبرى»، بأصوات قرّائها العظماء.
ولكن تغير المشهد تدريجيًا، فأصبحت تتصدر الأصوات الخليجية قوائم الاستماع عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، مثل السديس والعجمي والمعيقلي والشريم، وأضحت تلاوات الحرم المكي والنبوي جزءًا من الذاكرة الروحية للمستمع، وصار «الصوت المرجعي» للخشوع والصلاة.
بدأ الجمهور يتساءل عن السبب الذي غيّر ذوق المصريين؟ وكيف تراجع حضور المدرسة المصرية رغم عمقها التاريخي؟، فرد المنشد الديني علي الحكيم، في تصريحات لـ«إيجبتك»، أنه بالفعل هناك تحول ملحوظ لدى الجمهور للاستماع للقرآن بقراء الخليج؛ لأن المرتبطين بالمجال الديني وسماع القرآن قلوبهم متعلقة قراء بالحرم المكي أو المدني، لارتباطهم الروحي بقدسية المكان، ويأتي ذلك على حساب القراء المصريين، على رغم أنهم من أفضل قراء العالم على مدار التاريخ.

تابع: أن مصر قدمت للعالم أصوات خالدة تعد معيار للإتقان والعمق الروحاني مثل المنشاوي، عبد الباسط عبد الصمد، مصطفى إسماعيل، محمود الحصري والبنا، وما زالت تقدم أصوات قوية، حيث أنها تتربع على صدارة التراث القرآني، والواقع يشير إلى تراجع التأثير الأصوات المصرية مقابل قراء الخليج.
لعبت الإذاعة المصرية دورًا محوريًا خلال فترة الأربعينيات، في نشر التلاوة المصرية التي امتازت بتنوع المقامات وثراء الأداء. عبدالباسط بصوته الذهبي، المنشاوي بدموعه الخاشعة، الحصري بدقته، والطبلاوي بقوته، جميعهم صنعوا نموذجًا فريدًا ارتبط بالهوية السمعية للمصريين، وألهم قرّاء العالم لعقود طويلة.
ومع انتشار تسجيلات الحرم عبر الفضائيات ثم الإنترنت، ومع منصات مثل يوتيوب وتطبيقات القرآن، أصبح الوصول إليها أسهل من أي وقت، وارتبط الصوت الخليجي بمشهد الصلاة في الحرم، الذي اتسم أداؤه بالهدوء والوتيرة الثابتة المناسبة للصلاة اليومية وسرعة الحفظ، وهو ما جذب جيلًا جديدًا يبحث عن البساطة أكثر من «الطرب المقامي».
ولم يختفِ الصوت المصري، لكنه تراجع وسط عاصفة من التحولات التقنية والثقافية، ولا يزال صوتي المنشاوي وعبد الباسط قادرا على لمس القلوب، لكن يحتاج إلى نافذة عصرية ليصل للأجيال الجديدة. فالقرآن واحد، لكن طريقة تقديمه هي التي تغيّرت، ومعها تغيّر ذوق المستمع المصري.