أهم ما أقف عنده في شخوص المتدينين هو استعدادهم لـ(نقد الذات). وأسوأ ما أرصده في بعض توجهات المتدينين هو التفرغ لمهمة (نقد الآخر) والحكم عليه. سلبًا بالتأكيد. وغض الطرف كلية عن عيوب الذات.
حسب العقلاء فإن الإنسان المستعد لتقبل النقد أو الذي لديه الصلاحية لنقد ذاته هو إنسان في مستوى عال من الوعي . وهو المؤهل فعلا أن نحكم عليه إنه متدين حقيقي.
كذا فإن من يرى نفسه دوما على صواب. ولا يتقبل النقد أيا كان مقصده وأيا كان أسلوبه هو شخص في عدالته نظر . بل هو غير عدل مطلقا. فمن منا المعصوم؟ ومن منا يفترض في نفسه أن ما يأتي به من فكر أو سلوك لا يعارض عليه؟
في الآونة الأخيرة تعالت أصوات النقد ضد التصوف والصوفية بسبب بعض مظاهر ذاعت على وسائل التواصل لها صلة بالموالد واحتفالات الصالحين .
وبينما تعالت النبرات ضد التصوف وأهله من الرافضين للتصوف جملة وتفصيلا . وجدنا قطاعا صوفيا متحمسا يدافع عن تلك المظاهر ويرد على الرافضين لها بنفس أساليبهم التي خلت في الغالب عن أدب الخلاف وأخلاقه . وهؤلاء فئة من شباب الصوفية المتحمسين . الذين لم تنضجهم التجارب السلوكية بعد .
ولقد وقفت قلقا أتأمل هذا المشهد . حتى وجدت ضالتي . وهم العقلاء من الصوفية العلماء أو طلاب العلم .
لقد أظهر الله في هذا الموقف طبقة لا تكاد يراها عوام الناس وهي طبقة الصوفية العلماء . وفي الحقيقة هذه الطبقة هي الممثل الحقيقي للتصوف .
وفي الحقيقة لقد كنت في بداية حياتي شديد الحيرة فيما يتعلق بالتصوف حتى وقعت على كتاب لشيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود كتب فيه خلاصة تجربته في عبارة موجزة . قال : ( وما من شك في أن التصوف هو القمة لمن أراد السلوك إلى الله ) . وهي العبارة التي قادتني إلى البحث كي أعلم كيف وصل الإمام رحمه الله إلى هذه النتيجة .
إن التصوف يحتاج إلى من يعيد تقديمه للناس في ثوبه الحقيقي لأن هذا المنهج الأخلاقي يحمل في طياته للأمة خيرا كثيرا .
وفيما أرى فإن استعداد الصوفية ( العوام ) لتقبل النقد من ( الصوفية العلماء ) فيه الانطلاقة نحو إصلاح التصوف وإعادة تقديمه للعقل الجمعي بشكل يناسب الوقت وتحدياته . وفي إصرار عوام الصوفية على ما دخل على التصوف مما ليس منه مما بدل الصورة الذهنية في العقول والقلوب استمرار في مسلسل تشويه التصوف ( بيد عوام الصوفية ) .
وهو ما يستتبع لا شك استمرارا في مسلسل الانتقاد والهجوم من كارهي التصوف .
دعوة من هنا إلى جموع المنتسبين التصوف والمحبين له للعودة إلى التصوف القائم على العلم . والحمد لله بمصر مدارس صوفية علمية يهتدى بها وهي مؤهلة أن تسير خلفها تلك الجموع من الراغبين في التدين الوسطي المعتدل.