السينما المصرية تستعيد أنفاسها.. خطة شاملة لإحياء الأصول المملوكة للدولة
بعد سنوات من التراجع والتوقف، تتحرك عجلة السينما المصرية في مسار جديد يستهدف إعادة بناء ما تعطل، واستثمار كنوز أهملت لسنوات تعود ملكيتها للدولة. في ظل رؤية ثقافية، تقودها وزارة الثقافة، عبر الشركة القابضة للاستثمار في المجالات الثقافية والسينمائية، مشروعًا طموحًا لإحياء الأصول السينمائية المملوكة، واستعادة بريق مصر كعاصمة للفن العربي.
هذه الأصول، التي آلت ملكيتها إلى الشركة في ديسمبر 2023، كانت تعاني من واقع صعب: مبانٍ منهكة، أنظمة كهرباء وتكييف وحماية متهالكة، أرشيف سينمائي يتعرض للإهمال، وديون متراكمة دفعت المنتجين للابتعاد عن استوديوهات كانت يومًا أيقونات الصناعة.
لكن مع بداية العام الحالي، بدأ المشهد يتغير. مجلس إدارة جديد، برئاسة الدكتورة إيمان يونس، وبدعم مباشر من وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، وضع خطة لإعادة التشغيل والتطوير. دور العرض التي أغلقت أبوابها عادت للعمل، مثل سينمات ميامي ونورماندي بعد أكثر من ربع قرن من التوقف، وتمت تسوية نزاعات مع شركات التوزيع، ورفع كفاءة أنظمة الصوت والصورة.
تطوير استوديوهات مصر… والرهان على التراث
الخطة الجديدة لا تقتصر على إعادة الفتح، بل تتجه إلى تطوير شامل لاستوديو مصر، استوديو الأهرام، ومدينة السينما، مع تحديث البنية التحتية وإدخال أحدث تقنيات ما بعد الإنتاج، من أجهزة المونتاج وتصحيح الألوان إلى أجهزة المسح السينمائي (Film Scanner) لترميم الأفلام وتحويلها إلى نسخ رقمية.
وفي خطوة لحماية التراث، تم رفع كفاءة ثلاجة حفظ الأفلام بمدينة السينما، وفقًا للمعايير الدولية، لضمان بقاء الذاكرة البصرية للأجيال القادمة.
التحول الرقمي… السينما على الإنترنت
ضمن ملامح الرؤية الجديدة، دخلت الشركة عالم الرقمنة بإنشاء موقع إلكتروني رسمي وقناة على "يوتيوب" لعرض الأفلام المملوكة، بهدف خلق عوائد رقمية مستدامة. كما يجري التعاون مع شركات متخصصة لحماية المحتوى من القرصنة، وترميم أفلام كلاسيكية وتحويلها إلى جودة 4K بالتعاون مع مركز ترميم التراث السمعي البصري بمدينة الإنتاج الإعلامي.
شراكة مع القطاع الخاص… واستثمارات جديدة
تماشيًا مع سياسة الدولة في إشراك القطاع الخاص، تدرس الشركة تطوير استوديو مصر بنظام حق الانتفاع لمدة 25 عامًا، واستغلال أراضي سينما روكسي والحمرا لإقامة مشروعات متعددة الاستخدامات (ثقافية وتجارية وإدارية) مع الحفاظ على الملكية العامة.
كما يجري التصرف في أراضٍ غير ملائمة للنشاط الثقافي، بتوجيه رئاسي، لاستخدام عائدها في سداد الديون، صرف مستحقات المحالين للمعاش، وتمويل خطة التطوير بالتعاون مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
شركة إنتاج جديدة… من البنية إلى الإبداع
المرحلة المقبلة تشهد تأسيس شركة تابعة متخصصة في الإنتاج الفني، تستغل الأصول المطورة لتقديم خدمات تصوير ومونتاج ومكساج وتصحيح ألوان، بما يدعم صناعة السينما والدراما ويعيد لمصر مكانتها كمحرك أساسي للفن في المنطقة.
هذه الخطوات، إذا اكتملت، قد تعيد رسم خريطة السينما المصرية، ليس فقط بترميم الماضي، بل بإطلاق صناعة حديثة قادرة على المنافسة في زمن المنصات الرقمية والعروض العالمية. الرهان كبير، لكنه يحمل وعدًا بإعادة الأضواء إلى استوديوهات كانت يومًا قلب الحكاية، وإعادة السينما المصرية إلى مقعدها الطبيعي في الصف الأول من الإبداع العربي.