رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 في زمن تتسارع فيه الإشعارات وتتنافس المنصّات على خطف انتباه العقول، يقف جيل كامل أمام شاشة مُضيئة في غرفة مُظلمة، يحاول أن يجد في هذا الضوء البارد دفئًا يروي عطشه الداخلي. جيل يعيش وفرة في كل شيء إلا المعنى؛ يملك أدوات التعبير لكنه يفتقد الرسالة، يغوص في العالم الافتراضي بحثًا عن ذاته، فيجد آلاف الصور ولا يجد وجهه الحقيقي بينها.

 

• وفرة الوسائل.. نُدرة المعنى.


لم يعرف أي جيل في التاريخ حجم التدفق المعلوماتي الذي يعرفه شباب اليوم. وبلمسة واحدة على الهاتف، يستطيع الشاب أن يرى العالم من أقصاه إلى أقصاه، لكنه في الوقت نفسه يفقد الاتصال بذاته.


وتحولت المعرفة إلى "معلومة سريعة"، والثقافة إلى "ترند مؤقت"، والحلم إلى "منشور يحصد إعجابات".


وسط هذا الضجيج، يتسلل فراغ داخلي يبتلع الحماسة، وتضيع البوصلة بين ما نريده حقًا وما يريده الآخرون منا.


الشباب اليوم لا يعاني من قلة الإمكانات بقدر ما يعاني من كثرة الاتجاهات؛


كثرة الخيارات دون وضوح الطريق، وكثرة الأصوات دون وجود صوت داخلي يرشده.
وهو ما يخلق نوعًا من الاغتراب الوجودي - ليس اغتراب المكان، بل اغتراب الفكرة والهِوية والهدف.

 

• أزمة المعنى قبل أزمة الوظيفة


حين نتحدث عن مشكلات الشباب، ينصبّ الاهتمام على البطالة أو ضيق الفرص، لكن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير.


إنها أزمة المعنى: لماذا أعيش؟ ولماذا أتعلم؟ وما الذي يجعل لحياتي قيمة؟


في غياب الإجابات، تصبح الطاقات الهائلة التي يمتلكها الشباب طاقة ضائعة، تُستهلك في الجدل أو اللهو أو الهروب.


إن الجيل الذي لا يُمنح فرصة لطرح الأسئلة، لن يجد شغفًا في البحث عن الإجابات.

 

هنا يأتي دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية لا كجهات ناقلة للمعلومات، بل كمساحات لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: ما هي الحقيقة؟ ما هو الجمال؟ ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟


أسئلة قد تبدو فلسفية، لكنها أساس كل نهضة فكرية أو اجتماعية.


• من التيه الرقمي إلى الوعي الحقيقي
توجيه طاقات الشباب لا يعني محاصرتهم أو تقييدهم، بل إعادة توجيه البوصلة نحو الوعي والمعرفة الحقيقية.


فبدلًا من أن يكون الهاتف أداة استهلاك، يمكن أن يكون بوابة للتعلّم.


وبدلًا من أن تكون المنصّات فضاء للفراغ، يمكن أن تتحول إلى منابر للحوار الجاد والإبداع.


لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا استعاد الشاب ثقته بعقله، وشجاعته في أن يفكّر لا أن يُقلّد، وأن يسأل لا أن يُسلّم.


فالوعي لا يُمنح من الخارج، بل يُولد من لحظة إدراك صامتة في الداخل؛ حين يدرك المرء أن الحرية الحقيقية تبدأ من معرفة الذات.


• استعادة الدور والمعنى:


إن بناء جيل واعٍ لا يحتاج شعارات ولا حملات إعلامية مؤقتة، بل رؤية مستدامة تُعيد للمعرفة قيمتها، وللقيم معناها.


المدرسة يجب أن تزرع في الطفل حُبّ السؤال لا رهبة الامتحان، والجامعة يجب أن تُخرّج مفكرين لا فقط موظفين، والإعلام يجب أن يفتح نوافذ للتفكير لا أن يُغلقها بضجيج التسلية.


إن جيل اليوم لا يرفض الواقع، بل يبحث عن واقع يفهمه ويشبهه، جيل لا يريد وعودًا بل معنى، لا يريد شهرة بل أثرًا. ولعلّ أجمل ما يمكن أن نقدمه له هو مساحة للفهم، لا مساحة للحُكم.


ختامًا:
المعنى طريق الخلاص، فليس المطلوب أن نُعيد تشكيل الجيل، بل أن نساعده في اكتشاف ذاته. فالإنسان حين يجد المعنى، يصبح قادرًا على أن يصنع الفرق، مهما كانت الأدوات بسيطة.


إن الأمة التي يجد شبابها معنى لحياتهم، لا يمكن أن تُهزم، لأن المعنى هو الوقود الذي لا ينفد. جيل اليوم لا يضيع لأنه فاسد، بل لأنه تائه في زحام بلا إشارة.

 

 ودورنا أن نعيد له اللافتة المضيئة نحو الوعي والمعرفة، وإيجاد المعنى لا يعني بالضرورة اكتشاف "حقيقة واحدة"، بل اكتشاف علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله. كما أن المعنى ليس شيئًا جاهزًا نبحث عنه في الخارج، بل تجربة نصنعها نحن من خلال ما نؤمن به ونعيشه.


ففي النهاية، الطريق إلى النهضة يبدأ دائمًا من سؤال بسيط:
لماذا نحن هنا؟ وما الذي يمكن أن نكونه إن فهمنا أنفسنا حقًا؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء