رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استكمالًا للمقالة السابقة.. نبدأ بالأمر الإلهي الذي تكرر مرتين في آية واحدة في سورة الطلاق ،" لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ" 1 (الطلاق). أمر بألا يخرج المطلق طليقته من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة ظاهرة للجميع، غير ذلك لا تخرج من بيتها، أسماه رب العالمين بيتها ولم يقل لا تخرجوهن من بيوتكم، قمة الرقي الأخلاقي عند الطلاق، لا تُخرج مطلقتك من بيتها، وقد أطلق هنا رب العالمين هذا الحكم ولم يحدده بشهور العدة بل تركها يحددها المجتمع تبعاً لرقيه وعدالته، هذه هى أخلاق الطلاق في ديننا العظيم.

كل خطوة وكل تصرف من الرجل تجاه زوجته أو مطلقته يكون بالمعروف،" فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ " 2 (الطلاق). بكل ما هو معروف أنه خير وأنه حسن وأنه صالح، إن استمرت الحياة الزوجية فيكون ذلك بالمعروف، وإن طلقها فيكون بالمعروف، هذه هى توجيهات رب العالمين، وهذه هى أخلاق المسلمين عن حق.

استمراراً في وصف المعاملة الراقية التي يجب على الرجل المسلم أن يتعامل بها مع مطلقته،" أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ " 6 (الطلاق). الأصل أن تبقى بمنزلها، فإن كان في منزل ليس له وكان عليه إخلاؤه، فعليه أن يسكنها حيث مقدرته ومن سعته، وقال السدَي: (المرأة يطلقها، فعليه أن يسكنها وينفق عليها)، ونهى سبحانه أن يضر مطلقته حتى تقبل سكناً غير ملائم، هذه هى المروءة الراقية التي يأمر بها رب العالمين والتي يجب أن تتواجد بين المطلقين.

تكملة لنفس الآية السابقة، تكملة لحسن الخلق والإيمان والتقوى عند الطلاق،" وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ " إن كانت المطلقة حامل، فعليه الإنفاق عليها حتى تضع حملها، لا تترك المطلقة أبداً تستجدي النفقة، بل تصل إليها مكرمة معززة، من يفعل ذلك فهو من يُطَلق على سنة الله ورسوله، ومن كان على غير ذلك فهو يُطلق على سنة الشياطين والظالمين.

" فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ " نفس الآية، بعد وضعها للطفل، على الأب المُطلق أن يعطيها مثل أجر المرضعة، بالرغم من أن الأم هى من تتكفل عادة بارضاع الطفل، إلا أن الله تعالى جعل لها مقابل لذلك حتى يضمن لها مصدراً للإنفاق رعاية لها ولترضع طفلها وهى مطمئنة وهادئة، على هذه الأخلاق يقوم الإيمان.

" وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ " نصيحة ربانية بعد الأوامر السابقة، أن تتواصوا بالعمل بكل ما هو طيب، هذه هى أخلاق الطلاق الإسلامي، أن يتشاورا ويتراضوا ويختاروا كل ما هو معروف من حسن الخلق يتعاملوا به.

" وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ" يضع ربنا كل الاحتمالات ويجعل حلها بسيط بلا خلافات، إن لم يتفقا على إرضاع الأم لوليدها، يستأجر أخرى ترضعه، هكذا بدون تبادل للاتهامات ولا مخاصمات، هذا يوضح أن ما يحبه رب العالمين ويرضاه للمسلمين هو الحرص على حسن العلاقة بين المطلقين، لا مجال للنزاعات، بل تواصي بالخير وحل كل مشكلة تظهر برضى وتشاور.

" لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا " 7 (الطلاق). في نهاية الآية الكريمة توجيه عام للمطلقين، أنفق مما رزقك الله، فإن كنت غنياً فأنفق بكرم وفضل

 

 وإن كنت فقيراً أنفق أيضاً مما تقدر عليه، الإنفاق واجب كلٌ على حسب قدرته، لا يوجد في الإسلام رجل لا ينفق على مطلقته بما أمر به الله تعالى، لا يوجد من تستجدي نفقتها ونفقة أولادها وتهان بالمحاكم، من يفعل ذلك بمطلقته فلا يستحق أن يكون من المؤمنين. ثم يعد الله تعالى من يجد عسراً في تحقيق ما أمر به، يعده أنه سيجعل بعد عسراً يسرا، ومن أصدق من الله قيلاً، لا أحد أصدق من رب العالمين يحقق وعده.  

هذا وقد أعقب آيات الطلاق بآية عقابيه يشيب لها الولدان لكل فرد ولكل مجتمع لا يتبع ما أمر الله تعالى به من حسن المعاملة عند الطلاق، يقول تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا ‎﴿٨﴾‏ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ‎﴿٩﴾‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ‎﴿١٠﴾‏) 
 

 

يقول د. النابلسي: (في هذه الآيات قد يقول أحدنا ما علاقتها بالطلاق؟ السورة كلّها للطلاق، لكن أحياناً الإنسان يتوهَّم أنه هو زوج، هو قوي، والطلاق بيدّه، وهذه امرأة و ضعيفة، بإمكانه أن يطلِّقها، بإمكانه أن يعِّذبها، بإمكانه أن يدعها بلا طعام وشراب، بإمكانه أن يأكل حقوقها، الله عزَّ وجل توعد المجتمع كله الذى يترك مطلق واحد يظلم مطلقته: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا*فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي عاقبة أمرها، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ في الدنيا، وجحيماً في الآخرة.)

 


فهل بعد هذا الوعيد نتعجب مما آلت إليه حالة المجتمعات "الإسلامية" من عذابات وخسران!! إن وعد الله حق، والمجتمع وأفراده إن اختاروا الاستكبار ومجاوزة كل الحدود والأوامر التي وضعها الله تعالى في التعامل مع المطلقات، فقد اختاروا بذلك العذاب والخسران في الدنيا والآخرة.

 
وإن اختاروا الإيمان بالله تعالى وطاعته والعمل الصالح الذي يخرجهم من ظلمات الجاهلية والعنصرية والظلم إلي النور، فقد اختاروا بذلك الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. 


يقول تعالى: (رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ‎﴿١١﴾) الطلاق. 


هذا تبيان لا لبس فيه ولا تأويل.. فعلى كل فرد وكل مجتمع أن يختار ما بين الظلم والعدل، ما بين حياة الظلمات وحياة النور.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء