وقائع وأزمات المدارس الخاصة في عهد الوزير محمد عبداللطيف
مع تولّي محمد عبداللطيف حقيبة وزارة التربية والتعليم، دخل ملف المدارس الخاصة والدولية دائرة الضوء بحدة، فهذه المدارس التي يفترض أن تمثّل خياراً بديلاً عالي الجودة للأهالي، باتت محطّ شكاوى وتحقيقات متكرّرة، بين زيادات مفاجِئة في المصروفات، ورفض قبول طلاب بعد دفع المصروفات، وتجاوزات إداريّة أو تربوية، الأمر الذي أثار قلقاً لأولياء الأمور، وخاصة بعد أخر واقعة والتي حدثت منذ أيام قليلة حيث تقدم ولي أمر بشكوى رسمية ضد إدارة مدرسة خاصة بالتجمع الخامس، مدعيًا أن المدرسة احتجزت ابنته داخل فصل منفصل لمدة تجاوزت ثلاث ساعات بسبب تأخره في سداد المصروفات الدراسية، الأمر الذي جعل هناك طرح تساؤلات حول مدى التزام القطاع الخاص بالتعليم كحق وليس مجرد نشاط ربحي.
في هذا التقرير، نستعرض أبرز الملفات الساخنة التي رصدت داخل المدارس الخاصة في عهد الوزير عبداللطيف، وتداعياتها على أولياء الأمور والطلبة.
رفض قبول طلاب رغم استيفاء الشروط
وردت عدة شكاوى في بداية العام الدراسي من أولياء أمور تفيد بأن مدارس خاصة ودولية رفضت قبول أطفالهم رغم اجتيازهم الاختبارات ودفع رسوم “الأبلكيشن” والمصروفات، مما أثر غضب الكثي من المتابعين للعملية التعليمية متسائلين في ذلك الحين كيف يُسمح لمدرسة خاصة تطلب مصروفات وتحتفظ بها ثم تحرِم الطالب من الدخول؟ وما دور الوزارة في الرقابة الفعلية على هذه المؤسسات؟
مصروفات مرتفعة وارتفاع الشكاوى
على الرغم من أن الوزارة نفت إصدار قرارات بزيادة مصروفات المدارس الخاصة بنسبة 100%، فإن أولياء الأمور اشتكوا من طلبات زيادة بدرجات كبيرة ومفاجئة.
أصدرت الوزارة لاحقا شرائح زيادة محددة للمدارس الخاصة والدولية، ولكن دائما هناك تناقض بين الواقع المعلن وما يشهده الأهالي على الأرض يُلقي بظلال من الريبة على فعالية الرقابة والتنفيذ.
تجاوزات وإخلال بحقوق الطلبة داخل المدارس
في واقعة أخرى، تحرك الوزير بنفسه واتخذ قرارات سريعة ضد مدرسة خاصة ثبت مخالفتها في حق الطالبات، من حيث تحصيل المصروفات أو تأخر الخدمات، وهذا يُظهر أن هناك «أزمات» في تطبيق المعايير داخل المدارس الخاصة، سواء من حيث الالتزام بالتعليمات أو احترام حقوق الطلبة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الإشراف الفعلي والقدرة على التعامل مع القطاع الخاص كمكوّن تربوي وليس مجرد استثماري.
انقسام بين دور الوزارة والقطاع الخاص
يلاحظ أن الوزير أعلن عن موقف صارم تجاه المدارس المخالفة، ما يوحي بوجود توجه للمساءلة والضبط، ولكن، من الجهة الأخرى، تبقى مشاكل مثل المصروفات المفاجئة، التحصيل دون تقديم خدمات موازية، أو قبول الطلاب ثم رفضهم، أو طلب المصروفات كاملة رغم وجود قرار بالتقسيط.
وهذا يقود إلى وضع يتسم بـ: تعليم خاص «مكلف» أعلى من قدرة العديد من الأسر، ووزارة تبدو تتحرّك فقط بالتفاعل مع الشكاوى، دون وجود خطة شاملة معلَنة للتحول في هذه المدارس.
المصروفات أصبحت كابوسًا سنويًا
أكدت منى أبو غالي، مؤسسة جروب «حوار مجتمعي تربوي»، أن أزمات المدارس الخاصة تفاقمت بشكل واضح منذ تولي الدكتور محمد عبداللطيف وزارة التربية والتعليم، مشيرة إلى أن أولياء الأمور يعيشون حالة ضغط مستمرة طوال العام الدراسي بسبب سياسات هذه المدارس، التي تتجاوز أحيانًا قرارات الوزارة دون رادع.
وقالت أبو غالي في تصريحات خاصة، إن أبرز الأزمات تتمثل في المطالبة المستمرة بدفع المصروفات وعدم الالتزام بقرار الوزير بتقسيمها على أربعة أقساط، موضحة أن العديد من المدارس الخاصة تطالب أولياء الأمور بسداد جميع الأقساط قبل بدء الفصل الدراسي الثاني، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

الإجبار غير المباشر على الطلاب للالتحاق بالمجموعات المدرسية
وأضافت أن بعض المدارس تمارس نوعًا من الإجبار غير المباشر على الطلاب للالتحاق بالمجموعات المدرسية، من خلال ربط درجات أعمال السنة والتقييمات الشفوية بحضور تلك المجموعات، ما يدفع الطلاب للانضمام إليها خوفًا من خسارة درجاتهم.
وأشارت إلى أن هناك مدارس تزيد المصروفات تحت مسميات مختلفة مثل “الأنشطة” أو “خدمات الباص”، الأمر الذي اعتبرته تحايلاً على قرارات الوزارة وعبئًا إضافيًا على أولياء الأمور الذين يضطرون للدفع خوفًا من تعرض أبنائهم لأي مضايقات داخل المدرسة.
وأكدت أن بعض المدارس تستخدم أساليب ضغط مباشرة على الطلاب، إذ يتم استدعاؤهم للإدارة لإبلاغهم بضرورة دفع المصروفات، وأحيانًا يُمنع الطلاب من دخول بعض الحصص “كوسيلة ضغط على ولي الأمر”، على حد قولها.
واختتمت منى أبو غالي تصريحاتها مؤكدة أن غياب الرقابة الفعالة من الوزارة على المدارس الخاصة هو السبب الرئيسي في تفاقم الأزمات، مشددة على ضرورة وجود إدارة قوية داخل الوزارة تتعامل بحسم مع هذه التجاوزات، لأن “الطلاب وأولياء الأمور هم من يدفعون الثمن في النهاية”.
أزمات المدارس الخاصة في مصر ليست وليدة عهد الوزير الحالي
من جهته أكد مجدي حمزة، الخبير التربوي، أن أزمات المدارس الخاصة في مصر ليست وليدة عهد الوزير الحالي الدكتور محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وإنما ممتدة منذ عشرات السنين، مشيرًا إلى أن أصحاب تلك المدارس أصبحوا "أقوى من وزارة التربية والتعليم نفسها".
واقع المدارس الخاصة يكشف عن هيمنة واضحة
وقال حمزة في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، إن واقع المدارس الخاصة يكشف عن هيمنة واضحة من أصحابها على مفاصل العملية التعليمية، حيث لا تجرؤ الوزارة أو المديريات أو الإدارات التعليمية على اتخاذ قرارات حاسمة ضدهم، موضحًا أن "شبكة المصالح والفساد والرشاوى" جعلت من بعض أصحاب المدارس مراكز قوى تتجاوز حدود الرقابة.
المدارس الخاصة ترفع المصروفات بنسب تصل إلى 25%
وأضاف أن "الوقائع التي تحدث كل عام خير دليل"، لافتًا إلى أن المدارس الخاصة ترفع المصروفات بنسب تصل إلى 25% في بعض الحالات، بالرغم من أن القرارات الوزارية تنص بوضوح على أن الزيادة السنوية لا تتجاوز 13% كحد أقصى وفقًا للشرائح المحددة.
وتابع: "أولياء الأمور عندما يعترضون، يتلقون الرد المعتاد: روح اشتكي زي ما أنت عايز.. مش هتقدر تعمل حاجة، وحتى لو قدّموا شكوى في الإدارة أو المديرية، لا أحد يتحرك"، مؤكدًا أن الوزارة تكتفي بالبيانات دون إجراءات على الأرض.

التعليم الخاص تحول إلى "بيزنس بحت"
وأشار الخبير التربوي إلى أن التعليم الخاص تحول إلى "بيزنس بحت" لا علاقة له بالتربية أو جودة التعليم، قائلاً: "بعض أصحاب المدارس الخاصة لا يهمهم سوى المال، ولا يقدمون لا تعليم ولا تربية، والمشكلة أن الجشع أصبح السمة الغالبة".
كما لفت إلى أن معاناة أولياء الأمور تمتد إلى أبنائهم الذين يتعرضون للإهانة أو المنع من دخول الفصول بسبب تأخر سداد المصروفات، موضحًا أن مثل هذه الممارسات تترك آثارًا نفسية خطيرة على الأطفال، خصوصًا في المراحل الابتدائية والإعدادية.
المعلمون في المدارس الخاصة يعيشون مأساة حقيقية
وتابع حمزة: "حتى المعلمون في المدارس الخاصة يعيشون مأساة حقيقية، فمرتباتهم متدنية جدًا، ومن يعترض يُقال له: مش عاجبك امشي، لأن أصحاب المدارس يديرون الأمور بعقلية المستثمر وليس المربي".
وأوضح أن "المدارس الخاصة تخالف التعليمات الخاصة بتقسيط المصروفات على أربع مراحل، وتُجبر أولياء الأمور على السداد في دفعتين فقط"، مؤكدًا أن الوزارة فشلت في فرض الانضباط المالي والإداري على تلك المؤسسات.
واختتم الخبير التربوي حديثه قائلاً: "مشاكل المدارس الخاصة كثيرة ومتشعبة، ولا تخص وزيرًا بعينه، بل هي أزمة بنيوية عمرها أكثر من 40 عامًا.. ومن دون قرارات حازمة وشجاعة، سيظل الطالب والمعلم وولي الأمر هم الخاسر الأكبر".