رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد اختلاف الخبراء.. كيف أربك قرار «اليوم الدراسي الممتد» الأسر والمعلمين؟

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

منذ بدء تطبيق نظام «اليوم الدراسي الكامل» أو ما يعرف بـ«اليوم الدراسي الممتد»، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك»، بشكاوى أولياء الأمور من طول اليوم الدراسي، مؤكدين أنه أرهق الطلاب وأثقل كاهل الأسر دون تحقيق فائدة تعليمية حقيقية، وفي المقابل، رأى البعض أن الفكرة في أصلها تهدف لتطوير العملية التعليمية وتنمية مهارات الطلاب، إلا أن غياب التخطيط والتجهيزات حوّل الهدف النبيل إلى عبء يومي ثقيل على الطلاب والمعلمين معًا.


 أولياء الأمور: «أولادنا بيرجعوا منهكين ومفيش استفادة»

عدد من أولياء الأمور في مدارس حكومية ولغات أكدوا أن أبناءهم يعودون إلى المنازل مرهقين بدنيًا وذهنيًا، دون أي مردود تعليمي من الساعات الإضافية، خاصة مع ضعف الأنشطة وغياب الإشراف الفعلي في الفترات الأخيرة من اليوم الدراسي.

تقول منال السيد، ولي أمر طالبة بالصف الرابع الابتدائي: «ابنتي بتخرج الساعة ٣ العصر، بترجع تعبانة ومفيش وقت تراجع دروسها أو ترتاح.. كل اللي بيحصل إنهم بيقعدوا في الفصل من غير فائدة».

فيما أكدت ولي أمر أخرى، أن العمل بنظام اليوم الدراسي الممتد عبء على الطلاب، فالمدرسة لم تغن عن الدروس الخصوصية، وأصبح الأمر عائق فعلي على الطلاب، من الذهاب إلى المدرسة والخروج منها الساعة الثالثة عصرًا، وقد يصلوا إلى منازلهم في الرابعة عصرًا، ثم عليهم أن يخرج من أجل الدروس الخصوصية، ويعودون منها في الساعة الثامنة ليلا.

وطالب أولياء الأمور وزارة التربية والتعليم بإعادة النظر في تطبيق النظام، أو منح المدارس مرونة لتحديد المواعيد وفق ظروفها، مؤكدين أن «النية سليمة لكن التطبيق متعثر».

مطالب بتعميم اليوم الدراسي الممتد على الجميع

فيما كان لبعض أولياء الأمور رأي أخر ممن أبنائهم بمدارس تعمل بنظام الفترتين، الأمر الذي جعل اليوم الدراسي قصير جدًا على حد قولهم، وهو ما يؤكدون أنه وضعهم في أزمة بسبب أشغالهم الوظيفية، موضحين أنه حين يخرج الطلاب من المدرسة، يكون أغلب أولياء الأمور في وظائفهم، وحينها لا يستطيعون إحضار الأبناء، بل وصل الأمر إلى تركهم عند أقاربهم أو في الشارع لحين عودتهم من العمل، مؤكدين أن أبنائهم محرومين من حقهم الكامل في يوم دراسي مكتمل وعدم تحصيلهم كافة المنهج لقلة الحصص، مع عدم وجود أي أنشطة رياضية أو ترفيهية في اليوم الدراسي.


 القرار المفاجئ أربك الجميع

قالت أماني الشريف، مؤسسة جروب اتحاد المدارس التجريبية والباحثة في العلوم السياسية، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، إن أولياء الأمور فوجئوا بقرار مفاجئ بمدّ اليوم الدراسي حتى الثانية والنصف أو الثالثة عصرًا، معتبرة أن القرار كشف عن خلل في آلية اتخاذ القرار وعدم تقدير لتبعاته على الطلاب والأسر والمعلمين.

وأضافت الشريف في تصريح خاص: «من الطبيعي أن تسعى الوزارة لتطوير الانضباط وزيادة وقت التعلم، لكن التنظيم الحقيقي لا يعني المفاجأة، ولا يمكن أن يأتي بقرار فوقي دون دراسة واقعية».

وأوضحت أن اليوم الدراسي منظومة مترابطة تشمل الطالب وولي الأمر والمعلم وسائق الباص، وعندما تُغيَّر فجأة «تكون النتيجة ارتباكًا شاملًا للجميع».
وأكدت أن الأطفال في المراحل الصغيرة أصبحوا مرهقين وغير قادرين على التحصيل بعد الثانية ظهرًا، بينما يواجه المعلمون ضغطًا مضاعفًا دون استعداد كافٍ.

كما أشارت إلى أن الباصات المدرسية تحولت لأزمة إضافية، حيث يعود الطلاب إلى منازلهم بعد غروب الشمس، وسط زحام وبرودة الطقس، متسائلة: «هل الهدف من التعليم هو زيادة عدد الساعات فقط؟ أم تحسين جودة ما يحدث داخل هذه الساعات؟».


 القرارات تتخذ بمعزل عن الواقع

المشكلة في ضعف الخدمات التعليمية المقدمة داخل المدارس هكذا كان رأي الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، قائلا: إن أزمة اليوم الدراسي الممتد أو الكامل، تكشف عن اختلالات عميقة داخل المنظومة التعليمية، موضحًا أن الوزارة تتعامل مع قضايا التعليم بقرارات فوقية دون دراسة للواقع الاجتماعي والاقتصادي للطلاب وأسرهم.

وأوضح عبدالعزيز في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» أن بعض أولياء الأمور يواجهون مشكلات بسبب نظام الفترتين الدراسيتين، والذي تلجأ إليه الوزارة في بعض المدارس ذات الكثافة العالية كحل مؤقت للتكدس داخل الفصول، لكنه يؤدي إلى تقصير اليوم الدراسي. وقال: «الوزارة بتقول بتحل مشكلة الكثافة بالفترتين، لكن ده بيخلق أزمة تانية.. الطالب اللي بيروح في الفترة الثانية بيبدأ دراسته الساعة 12 الظهر، وده وقت بيكون فيه الأب والأم في الشغل، فبالتالي الطفل بيقضي وقته في الشارع، ودي مشكلة تربوية خطيرة جدًا».

 «اليوم الكامل بلا خدمات تعليمية»

أما بالنسبة للطلاب الذين يخضعون لنظام اليوم الدراسي الممتد، أوضح أستاذ علم النفس التربوي أن معاناتهم لا تقل عن غيرهم، لأن الخدمات التعليمية المفترض أن يحصلوا عليها خلال اليوم الطويل «غائبة في أغلب المدارس».وأضاف: «الطلاب بيقعدوا في المدرسة ساعات طويلة جدًا من غير مردود تعليمي حقيقي.. وخلينا نتكلم بصراحة، إحنا بنتكلم عن المدارس الحكومية اللي تمثل القطاع الأكبر في مصر، ودي مليانة مشكلات لا حصر لها».

وأشار إلى أن أولياء الأمور الذين يشتكون من طول اليوم الدراسي الممتد لديهم مبررات منطقية، لأن التمديد الزمني لا يقابله تطوير في البنية التعليمية أو جودة المحتوى أو توفير الأنشطة، موضحًا أن «الوزارة بتقول عايزة تمشي بمعايير دولية، لكن بتاخد جزء وتسيب الباقي».

وقال عبدالعزيز: «يا سيدي امشي بمعايير دولية في كل حاجة.. في البنية التعليمية، في عدد المعلمين، في المناهج اللي ما تنفرش الطالب من التعليم، لكن ماينفعش تاخد جزء وتسيب جزء، وتقول إحنا طورنا. الوزارة بتاخد قرارات لأغراض غير المعلنة، وهدفها إنها تظهر في الإعلام إن اليوم الدراسي كامل، لكن المحصلة صفر».

الدكتور محمد عبدالعزيز أستاذ العلوم والتربية جامعة عين شمس
الدكتور محمد عبدالعزيز أستاذ العلوم والتربية جامعة عين شمس

 «مدارس بلا نظافة ولا عمال.. والمدرسون يتبرعون من جيوبهم»

وانتقد أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، تدهور الأوضاع داخل المدارس الحكومية، مؤكدًا أن أغلبها يفتقر إلى النظافة والخدمات الأساسية، بسبب غياب الميزانيات وضعف الموارد.وقال: «مفيش نظافة بالدرجة الكافية، ومفيش عمال، والمدارس ما عندهاش ميزانية أصلًا لتغطية العمال. في بعض المدارس المدرسين بيتبرعوا من جيوبهم عشان النظافة! هل ده منطق؟».

وأضاف أن كثافة الفصول مرتفعة للغاية، وهناك عجز وأضح في أعداد المعلمين، فضلًا عن مشكلات في المناهج الدراسية نفسها التي تفوق قدرات التلاميذ العقلية، مما يخلق نفورًا من التعليم بدلًا من حب التعلم.كما انتقد ما وصفه بـ«تحميل الأسر فوق طاقتها» من خلال مطالبتها بطباعة التقييمات على نفقتها الخاصة، قائلًا: «في ظل أزمة اقتصادية الأسر المصرية مش ناقصة أعباء، الولي بيحاول يوفر أكل وشرب وتغذية لابنه عشان يستوعب، مش يدفع تمن الطباعة والتقييمات».

 «الوزارة تسير في اتجاه مختلف عن حلم المصريين»

وأكد عبدالعزيز أن وزارة التربية والتعليم تسير في اتجاه مغاير تمامًا لما يطمح إليه المصريون في بناء تعليم حقيقي، مضيفًا: «للأسف التربية والتعليم ماشية في اتجاه مختلف عن اللي كلنا نحلم به. المشكلات اللي بنتكلم فيها سببها الأساسي هو الوزارة نفسها، وأنا بقولها دايمًا: سبب انهيار التعليم المصري هو أداء وزارة التربية والتعليم والمعايير اللي ماشية عليها».

 «الإصلاح يبدأ من البعد الاجتماعي»

وعن رؤيته للإصلاح، قال عبد العزيز إنه لو كان في موقع المسؤولية داخل الوزارة، فإن أول ما سيفعله هو إعادة النظر في البعد الاجتماعي للتعليم، مؤكدًا أن المنظومة الحالية تتجاهل ظروف التلاميذ المعيشية والاقتصادية.وأوضح: «أول حاجة لازم أعملها إنّي أشوف البعد الاجتماعي للطالب.. أعرف ظروفه الاقتصادية وأعالجها. دي مسؤولية التعليم مش وزارة التضامن بس، لأن التعليم لازم يشتغل بالتوازي مع الوزارات المعنية زي التضامن والتخطيط والمالية».

وأضاف أن أي تطوير للتعليم يجب أن يستند إلى معايير واقعية تتماشى مع الظروف المصرية، وليس مجرد نقل نماذج غربية دون تكييفها مع الواقع المحلي، قائلًا: «اعمل معايير تتمصر، تتماشى مع الوضع الاجتماعي في مصر، عشان أحقق هدفين: أطبق نظام محترم، وفي نفس الوقت الشهادة تبقى معترف بيها دوليًا».

 «نحتاج منهجًا ومناخًا إنسانيًا لا يقتل الشغف»

وأشار عبدالعزيز إلى ضرورة إعادة بناء المنهج الدراسي بما يتناسب مع النمو العقلي والنفسي للتلاميذ، قائلًا: «الكتاب المدرسي لازم يتمشى مع قدرات الطالب، ما يبقاش فوق مستواه. اليوم الدراسي ما يكونش طويل بالشكل ده إلا لما نوفر كل عناصر المنظومة التعليمية اللي تخلّي الطالب ما يحسش بالملل أو يفقد الشغف».

وأكد أن إطالة اليوم الدراسي قبل تحسين بيئة التعليم يؤدي إلى نتائج عكسية مثل التسرب والعنف داخل المدارس، مضيفًا: «لما الطالب يمل ويزهق هيهرب، وهنا بيبدأ التسرب، ويتولد العنف. موضوع التعليم كبير جدًا، وللأسف المسؤولين مش شايفين الصورة الكاملة».

 

اليوم الدراسي الممتد له أهداف تربوية مهمة

من جهتها أكدت ميرفت عويس، الخبير التربوي، أن نظام اليوم الدراسي الكامل أو اليوم الدراسي الممتد، له أهداف تربوية مهمة، من بينها إتاحة الأنشطة وممارسة المهارات الاجتماعية وتحسين التحصيل الدراسي، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في النظام ذاته، بل في طريقة تطبيقه.

وقالت في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك": «اليوم الدراسي الممتد فكرة تربوية سليمة، لكنها تحتاج لتدريب المعلمين على إدارة اليوم الطويل دون ملل، وتخصيص وقت كافٍ للأنشطة الفعلية، بحيث لا يشعر الطالب ولا ولي الأمر أن اليوم الدراسي بلا فائدة».

وأضافت أن نجاح تجربة اليوم الدراسي الممتد أو الكامل في بعض المدارس وفشلها في أخرى يثبت أن المشكلة ليست في الفكرة بل في التنفيذ، داعية وزارة التربية والتعليم إلى تعميم النماذج الناجحة وتوفير الدعم اللوجستي الكافي لتفعيل الأنشطة.

ميرفت عويس، خبيرة تربوية
ميرفت عويس، خبيرة تربوية


 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء