التعليم تواجه التحرش.. وخبير: الوقاية تبدأ بالتثقيف المدرسي
منذ عام 2021؛ تركت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بصمةً مميزة في تطوير المناهج التعليمية بما يواكب القضايا المعاصرة والملفات الشائكة في المجتمع، من خلال تسليط الضوء على ظاهرة التحرش والعنف الجسدي والنفسي وتضمين التوعية بها في مناهج الصف الرابع الابتدائي بما يحمل توجهًا واضحًا نحو التوعية بحقوق الطفل في محاولة لتنشئة جيل يعرف حدوده ويحفظ حدودَ الآخرين، فيدرك أن جسده ملك له وحده، ولا يحق لغريبٍ أن يشاركه فيه.
كانت تلك الفكرة محور درس في كتاب اللغة العربية بعنوان «رسالة من آبائنا وأمهاتنا»، وهو نص تربوي إنساني يدعو التلاميذ إلى حماية أنفسهم من أي إيذاء أو استغلال، ويزرع فيهم الثقة بالنفس والوعي بالتصرف الصحيح عند مواجهة أي سلوك غير مقبول.
«رسالة من آبائنا وأمهاتنا».. وعي مبكر لحماية الصغار
جاء الدرس ضمن وحدة متكاملة أطلق عليها «الموضوع المجتمعي»، تستهدف دمج قيم التربية والسلوك الآمن في المناهج الدراسية منذ السنوات الأولى من التعليم الأساسي، وأعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني آنذاك أن إدخال مفاهيم مثل «العنف الجنسي والتحرش الجنسي والعنف الجسدي» أصبح جزءًا من بناء المناهج الحديثة، بالتعاون مع مختصين في علم النفس والتربية والاجتماع، ومؤسسات حقوقية تعمل على حماية الأطفال.
كما تضمنت مناهج الصف الرابع موضوعات عن «وثيقة حقوق الطفل» و«مكانة المرأة» و«مواجهة العنف»، في خطوة وُصفت بأنها نقلة نوعية في الفكر التربوي المصري، تسعى إلى بناء وعي مبكر لدى الأطفال تجاه أنفسهم ومجتمعهم.
ووجّهت الوزارة المدارس لتطبيق مبادرة توعية جديدة بعنوان «جسمي ملكي»، وهي مبادرة تفاعلية تهدف إلى توعية الطلاب بحقوقهم الجسدية، وتعليمهم كيفية التصرف عند التعرض لأي نوع من التحرش سواء بالألفاظ أو الأفعال أو عبر الوسائط الإلكترونية، وجاءت الأنشطة المصاحبة للبرنامج ضمن الخطة القومية لحماية الطفل في بيئة التعليم، حيث تُنفّذ الأنشطة في شكل حوارات وتمثيليات مدرسية ولعب أدوار، تتيح للطفل التعبير عن نفسه دون خوفٍ أو خجل، وتكسر حاجز الصمت الذي يحيط عادةً بهذه القضايا.
خبير تربوي: التوعية تبدأ من الفصول
خلال حديثه لـ«إيجيبتك»، أكد الخبير التربوي خالد محمد أن مواجهة ظاهرة التحرش لا تبدأ من قاعات المحاكم، بل من مقاعد الدراسة، حيث يجب أن ترافق ثقافة التوعية بخطورة التحرش الجنسي الطفل منذ سنواته الأولى وحتى بلوغه، حتى ينشأ شابًا واعيًا قادرًا على حماية نفسه، مضيفًا أن مجتمعاتنا ما زالت تفتقر إلى الاهتمام الجاد بهذا النوع من التثقيف، الأمر الذي يترك الأطفال مكشوفين أمام أخطار لا يدركونها، ويجعلهم أكثر عرضة لجرائم كان يمكن الوقاية منها لو توفرت لهم المعرفة والثقة بالنفس في الوقت المناسب بدلًا من السكوت والخوف من العقاب على ذنبٍ لم يتركبونه.
2025.. عام الصدمة المجتمعية
مع مرور الوقت، تبيّن جهود «التعليم» في التوعية بخطر التحرش كانت ضرورة وطنية عاجلة، فمع مطلع عام 2025 تصاعدت موجة من القضايا التي كشفت عن استمرار ظاهرة التحرش بالأطفال في بعض البيئات التعليمية والرياضية، وأثارت موجة من الغضب المجتمعي والمطالبات بتشديد الرقابة والعقوبات، ففي شهر إبريل من العام الجاري، سجّلت أجهزة الأمن حالتي تحرش بأطفال خلال 24 ساعة فقط، انتهت إحداهما بمقتل المشتبه به في أثناء محاولة ضبطه، وهي واقعة هزّت الرأي العام وأطلقت نقاشات حادة حول فعالية آليات الحماية المجتمعية.
وفي فبراير أيضًا، قضت محكمة جنايات الإسكندرية بالسجن المشدد ثلاث سنوات على مدرب كرة متهم بالاعتداء على طفلين شقيقين داخل نادٍ رياضي، وهي القضية التي فتحت باب الحديث عن ضرورة وضع ضوابط صارمة لحماية الأطفال داخل الأندية ومراكز التدريب.
وبعدها بثلاثة أشهر فقط، أصدرت محكمة جنايات دمنهور حكمًا بالسجن المؤبد على مدير مدرسة يبلغ من العمر 78 عامًا لإدانته بالاعتداء الجنسي على طفل في محافظة البحيرة، فيما عُرف إعلاميًا بـ«قضية الطفل ياسين»، وكانت الواقعة قد أحدثت صدمةً في المجتمع، نظرًا لمكانة الجاني الوظيفية ووقوع الجريمة داخل مؤسسة تعليمية من المفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للأطفال.
كذلك في يوليو، أحالت النيابة الإدارية 5 من العاملين بإحدى المدارس الابتدائية في منطقة المرج بالقاهرة إلى المحاكمة التأديبية، بعد تحقيقات كشفت عن سلوكيات مسيئة تجاه طلاب، ولم تكن تلك الحادثة الأخيرة في سلسلة من الوقائع التي واصلت الظهور في محافظات مختلفة، بعضها انتهى بأحكام رادعة، وبعضها لا يزال محل تحقيق.