اضطراب ما بعد الصدمة.. معاناة صامتة تهدد الأطفال والمراهقين|خاص
في حياة كل إنسان لحظات فارقة، لكن بالنسبة للناجين من التجارب المؤلمة، قد تتحول سجن أبدي، فقد تنتهي الأزمة في ظاهرها، لكن داخل العقول تبدأ معركة أخرى لا ترى بالعين، فخلف كل حادث مؤلم أو تجربة صادمة، يعيش كثيرون صراعًا خفيًا مع الخوف، والذكريات، والتقلبات النفسية الحادة، في رحلة طويلة تُعرف علميًا باسم اضطراب ما بعد الصدمة.
تجاهل الدعم النفسي
في هذا الصدد، حذر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، من خطورة تجاهل الدعم النفسي لضحايا الأحداث الصادمة، خاصة الأطفال والمراهقين، مؤكداً أن التعامل الخاطئ مع التجارب المؤلمة قد يؤدي إلى الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، وهو من أخطر الاضطرابات النفسية التي قد تمتد آثارها لسنوات طويلة إذا لم يتم علاجها بشكل صحيح.
وأوضح هندي في تصريحات خاصة لـ “إيجيبتك”، أن اضطراب ما بعد الصدمة لا يصيب فقط من خاضوا تجارب حربية أو كوارث كبرى، بل قد ينتج أيضًا عن حوادث فردية مثل التعرض للاعتداء، أو فقدان أحد المقربين، أو مشاهدة واقعة صادمة، مضيفًا أن الاضطراب يبدأ عادة في الظهور من خلال استرجاع دائم للحدث بشكل حي ومؤلم، وكوابيس متكررة، وتقلبات مزاجية حادة، وسرعة استثارة عصبية، إلى جانب أعراض جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب وتيبس العضلات. كما أشار إلى أن بعض الحالات قد تتطور لتشمل شعورًا عميقًا بالذنب، واضطرابات في الشهية، وقد تصل إلى التفكير في الانتحار هربًا من الضغط النفسي.
ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن اضطراب ما بعد الصدمة يصيب نحو 3.9% من سكان العالم، بينما تصل النسبة بين الأطفال والمراهقين الذين تعرضوا لصدمات إلى ما بين 12% و20%، وتؤكد المنظمة أن نحو ربع المصابين فقط يتلقون علاجًا نفسيًا أو دوائيًا مناسبًا، وهو ما يعكس فجوة كبيرة في الخدمات الصحية النفسية على مستوى العالم، ولا سيما في الدول النامية.
وعلى الصعيد المحلي، تشير دراسة مصرية منشورة في المكتبة الوطنية للطب الأمريكية إلى أن نحو 20% من الأطفال المصريين يعانون من اضطرابات نفسية أو سلوكية، وهو مؤشر مقلق على مدى انتشار المشكلات النفسية بين الفئات العمرية الأصغر في ظل غياب الدعم الكافي. ويرى خبراء أن هذه النسبة قد ترتفع في المناطق التي شهدت أحداث عنف أو كوارث مجتمعية.
وشدد الدكتور وليد هندي على أن الدعم الأسري يمثل حجر الأساس في عملية التعافي، موضحًا أن “تفهم الأسرة ودعمها النفسي يمثل 70% من نجاح العلاج، بينما يعتمد الـ30% المتبقية على التدخل المهني المتخصص، وأكد أن من الضروري أن يشعر الطفل أو الضحية بالأمان داخل أسرته، وأن يشجع على التعبير عن مشاعره سواء بالكلام أو الكتابة أو الرسم، بدلًا من كتمانها أو تجاهلها.
وأشار استشاري الصحة النفسية، إلى أن كثيرًا من الأسر تتعامل مع الحدث الصادم بطرق خاطئة، مثل المبالغة في الاحتفاء بعودة الطفل أو الحديث المتكرر عن الواقعة، وهو ما يعيد للضحية ذكريات الصدمة بشكل متكرر، ودعا إلى ضرورة إشراك الأخصائيين النفسيين في متابعة الحالات فور وقوع الحدث، وتكثيف حملات التوعية المجتمعية التي ترفع الوعي بخطورة هذه الاضطرابات وطرق الوقاية منها.
ويختتم الدكتور هندي حديثه بالتأكيد على أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل حين يجد المصاب من يسمعه، ويمنحه الأمان والدعم ليعيد بناء ثقته بالعالم من جديد. مشيرًا إلى أن الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين اليوم هو استثمار في مجتمع أكثر تماسكًا غدًا.
متلازمة ما بعد الصدمة
وفي ذات السياق أكدت الدكتورة سلوى الشريف، أخصائي الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، أن متلازمة ما بعد الصدمة تنشأ نتيجة تعرض الشخص لـ "صدمة غير متوقعة" تجعله غير قادر على نسيان الأحداث، مما يصيبه بحالة مزمنة من القلق والتوتر والأرق.
وأضافت أخصائي الصحة النفسية في تصريحات خاصة لـ"إيجيبتك"، أن الأعراض تتخذ أشكالًا مختلفة، ففي حين قد يدخل البالغ في حالة اكتئاب، تظهر الأعراض على الأطفال في صورة نوبات صراخ، وتبول لا إرادي، وبعض الأزمات السلوكية. وشددت على أن العلاج الفعال لهذه المتلازمة يتطلب شقين أساسيين: شق نفسي يعتمد على أسلوب العلاج السلوكي المعرفي، وشق دوائي يتمثل في مضادات الاكتئاب، لفك أسر هؤلاء السجناء من قبضة ذكرياتهم وبناء حياة لا يطاردها الماضي.

