طه حسين في الحج.. دموع على التراب الطاهر وقبضة من رائحة النبي
في عام 1955، قرر عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين أن يؤدي فريضة الحج في رحلةٍ روحية كانت الأولى والأخيرة له إلى الأراضي المقدسة، وتركت أثرها الكبير في نفسه وفي فكره، حتى وإن لم يضمها بين صفحات كتبه الكثيرة.
تفاصيل رحلة الإيمان
خرج طه حسين؛ إلى الحجاز وهو في السادسة والستين من عمره، يصحبه صديقه المفكر أمين الخولي، وقوبل هناك باستقبال مهيب لم يشهد له مثيل، جمع بين التقدير الرسمي والشعبي، حيث كان في استقباله الملك سعود بن عبد العزيز بنفسه، إلى جانب الأمراء والعلماء والأدباء والإعلاميين، واحتفت به المؤسسات الثقافية والهيئات العلمية جميعها، وكان من بين مستقبليه الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي كان يعمل أستاذًا بكلية الشريعة في السُّعُودية آنذاك، فرحب به ترحيبًا كبيرًا وألقى قصيدة طويلة احتفاءً بقدومه، في مشهد مهيب جمع رمزين كبيرين من رموز الفكر والدين.
لكن طه حسين، بعظمة تواضعه، خفف من وقع الاحتفاء الكبير به قائلًا بصوته المهيب وعباراته المليئة بالحياء: «معذرة إليك يا صاحب السمو، ومعذرة إلى الذين تفضلوا فحضروا استقبالي من الزملاء والزائرين، معذرة عن هؤلاء المواطنين الذين أخطأوا موضع التكريم ووجهوه إلى غير من كان ينبغي أن يوجه إليه، فقد أكثروا وأسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، وأقول لهم دعوا أخاكم هذا الضعيف وأريحوه من إطالة الثناء لأنها تخجله وتشعره بأنه يسمع ما ليس له الحق فيه».. كانت كلماته درسًا في التواضع والصدق، كما كانت انعكاسًا لروحه الصافية التي لم تغرّها الأضواء ولا الشهرة، على الرغم من أنه كان في أوج مكانته الفكرية آنذاك.
زيارة بدّدت شكوك حول العقيدة
رصد كتاب «رِحْلات الأعلام إلى البلد الحرام» للمؤلف محمد عبد الشافي القوصي، تفاصيلَ تلك الزيارة الفريدة، مشيرًا إلى أن صداها تردّد في العالم العربي كله، لأن كثيرين كانوا قد اتهموا طه حسين من قبل بالإلحاد إثر صدور كتابه «في الشعر الجاهلي»، فجاءت زيارته إلى مكة والمدينة لتبدد تلك الصورة المغلوطة عنه، ولتكشف عمقَ إيمانه وصدق يقينه، وقد كان لتلك الرحلة أثر روحاني عميق في نفسه، عبّر عنه حين قال: «أول ما شعرت به وما زلت أشعر به إلى الآن هو الذي يجده الغريب حين يعود بعد غيبة طويلة جدًا إلى موطن عقله وقلبه وروحه وبلده الحبيب».
وعند عودته إلى القاهرة بعد أداء الفريضة، تحدث طه حسين عن تلك التجربة قائلًا: «لقد سبق أن عشت بفكري وقلبي في هذه الأماكن المقدسة زهاء عشرين عامًا منذ بدأت أكتب على هامش السيرة، حتى الآن دون أن تخطها قدماي، ولما زرت مكة والمدينة أحسست أني أعيش بفكري وقلبي وجسدي جميعًا، عشت بعقلي الباطن وعقلي الواعي، استعدت كل ذكرياتي القديمة، ومنها ما هو من صميم التاريخ، ومنها ما هو من صميم العقيدة، كانت الذكريات تختلط بواقعي، فتبدو حقائق حينًا ورموزًا حينًا آخر، وكان الشعور بها يغمرني ويملأ جوانب نفسي».
لحظة خشوع عند تراب الحديبية
بدوره، روى صديقه الشيخ أمين الخولي، الذي رافقه في الرحلة، تفاصيل دقيقة عن مشاعر طه حسين في تلك الأيام، قائلًا في إحدى مقالاته إن العميد طلب في أثناء توجههما من جدة إلى مكة أن تتوقف السيارة عند الحديبية، وعندما نزل هناك قبض قبضة من ترابها وشمّها ثم تمتم بصوت متهدّج والدموع تملأ عينيه: «والله إني لأشم رائحة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا التراب الطاهر».
وتابع الخولي أن طه حسين حين دخل الحرم من باب السلام لم يستطع إخفاء وجدانه، فلما اقترب من الكعبة وقبّل الحجر الأسود أجهش بالبكاء، واستمر يطوف ويسعى في خشوع ضارع حتى وقف الناس من حوله ينتظرون أن يغادر المكان، لكنه ظل على حاله يبكي ويتضرع في خشوعٍ كامل.
ويحكي الخولي أيضًا أن طه حسين، رغم فقدانه للبصر، كان يعيش التجربة ببصيرته لا بعينيه، فقد حاول أن يتخلص من مرافقة المطوفين والمزورين الذين يرددون الأذكار نيابة عن الحجاج، لكنه لم يفلح، فقال بعد ذلك: «وجدتني بين أيديهم أردد بلا وعي ما يقولونه، ووجدتني في الوقت نفسه وحدي وإن كنت في صحبتهم، فكنت شخصين، شخصية واعية بلا كلام، وشخصية متكلمة بلا وعي، كانت الشخصية المتكلمة بلا وعي تردد كلام المطوفين والمزورين، وكانت الشخصية الواعية بلا كلام تناجي ربها في صدق وصمت وخشوع».
حوار النفس مع الله
أما دعاؤه في أثناء الطواف، فرواه الشيخ أمين الخولي قائلًا: «كان العميد يناجي ربه بقوله: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت سبحانك».
وحين سئل طه حسين بعد عودته عن شعوره وهو يرتدي ملابس الإحرام، وعن الدعاء الذي دعا به في المسجد الحرام، قال في تواضع العالم العارف بربه: «أؤثر أن يُترك الجواب على هذين السؤالين لما بين الله وبيني من حساب، وإنه لعسير، أرجو أن يجعل الله من عسره يسرا».