طه حسين وزيرًا.. ذكرى مشروع وطني تجاوز مجانية التعليم
في السادس عشر من يناير عام 1950، كانت قاعة مجلس النواب تعج بالحضور والعيون مشدوهة نحو المنصة، إذ وقف رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا ليلقي خطاب العرش باسم الملك، وعندما وصل إلى الفقرة الخاصة بالتعليم، بدا أن شيئًا مختلفًا سيقال، إذ كانت تلك الفقرة من إعداد وزير المعارف آنذاك، الدكتور طه حسين، الذي حمل على عاتقه حلمًا قديمًا بأن يصبح التعليم في مصر حقًّا للجميع لا امتيازًا للقلة.
ميلاد فكرة مجانية التعليم
أعلن النحاس باشا، حينها أن الحكومة ترى أن خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من حياة منتجة كريمة هو تعليم أبنائه وتثقيف نفوسهم وتهذيب أخلاقهم، وأنها قررت فعلًا مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني ابتداءً من ذلك اليوم، إيذانًا بميلاد مبدأ سيغيّر وجه المجتمع المصري، وهو المجانية الشاملة في التعليم.
في كتاب «ما بعد الأيام»، قال محمد حسن الزيات إن هذا الإعلان كان ثمرة فكر وجهد رجل آمن بأن المعرفة هي الطريق الوحيد لبناء وطن متحضر، غير أن رائد التنوير المصري، طه حسين، الذي لُقّب بعميد الأدب العربي، ظُلِم كثيرًا حين اختُزل تاريخه في مجرد دعوته لمجانية التعليم، بينما كانت مسيرته أوسع وأعمق من ذلك بكثير، فقد كان أول من نال درجة الدكتوراه في الجامعة المصرية، وصاحب الفضل في تأسيس الأقسام المختلفة بكلية الآداب، ومَن أدخل إليها لغات جديدة بعد أن كانت مقتصرةً على الإنجليزية والفرنسية، كما ساهم في تأسيس جامعة الإسكندرية، وطرح أول فكرة لإنشاء هيئة للآثار المصرية، إلى جانب مشروعات فكرية وثقافية لا تزال آثارها باقية في جسد التعليم المصري حتى اليوم.
رؤية تربوية تواجه التغريب
الكاتب الروائي مصطفى عوض، يقول إن ما قدمه طه حسين لم يكن مجرد جهود أكاديمية أو إدارية، بل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا هدفه تحرير العقول قبل تحرير النصوص، ففي كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، قدّم رؤية تربوية وفكرية تُعد من أهم ما كتب في تاريخ الفكر العربي الحديث، إذ حدد فيها بدقة العلاقة بين الثقافة الوطنية والهوية المصرية من جهة، والثقافات والهويات الأخرى من جهةٍ ثانية، فهو لم يكن يدعو إلى التغريب كما اتهمه خصومه، بل إلى أن يكون لمصر مكانها في العالم الحديث من دون أن تفقد ذاتها.
وأوضح عوض في حديثه لـ«إيجيبتك»، أنه برغم ذلك، واجه عميد الأدب العربي عواصف فكرية وسياسية عنيفة، حيث اتُّهم بالكفر والإلحاد بعد صدور كتابه «في الشعر الجاهلي»، وحورب بشراسة وصلت إلى حد المطالبة بفصله من الجامعة.
وعندما تولى وزارة المعارف، تعرض لهجوم أشد قسوة من أصحاب الفكر المتشدد، الذين رأوا في دعوته إلى التجديد والالتحاق بركب العصر خطرًا على ما اعتادوه من جمود، لكنه لم يتراجع، بل ظل صامدًا أمام العاصفة، مؤمنًا بأن الإصلاح لا يتم إلا بالتعليم، وأن الأمة لا تنهض إلا إذا فتحت أبواب المعرفة أمام جميع أبنائها دون تمييز.