رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تنشغل مساحة معتبرة من الرأي العام بما يجري من " هرتلة " مجتمعية أي الكلام الفراغ الذي لا نتيجة له، جزء من الهرتلة حدث بمناسبة افتتاح المتحف الكبير والكلام عن الأصنام وعبادة الفرعون وغير ذلك مما يجب أن يتخذ ضده إجراءات حازمة.

 جزء آخر من الهرتلة ، يطالب البعض وإن كان ليس بصورة واسعة بأن يكون اسم بلادنا " جمهورية مصر " فقط ، أي تحذف كلمة العربية !! وهو أمر لا يمكن أن نتوقعه من عقلاء . 


هذه الأمور وغيرها تصدر إما عن جهل ويجب في هذه الحالة أن نعالجها  بالوعي ، وإما تصدر عن غرض خبيث ويجب اجتثاثها من جذورها أولا بأول حتى لا تستفحل وتصبح مادة للنقاش . 

وعلى هؤلاء وغيرهم أن يعلموا أن ما يتردد بهذه الصورة إنما يقزم من قوتنا الناعمة، فبعض الدول التي سرقت آثارنا قد ترفض إعادتها بحجة أننا نعتبرها أصناما وقد نحطمها !! كما أن الدعوة لحذف صفة العروبة عن اسم البلاد يثير لغطا غير محمود على الإطلاق في أرجاء الوطن العربي ، رغم أن الكلمة لن تقدم أو تؤخر، لكن الشعب المصري يتمسك بها معتزا بانتمائه ولغته وتاريخ المشترك مع كل بلاد الوطن العربي .

 

لكن هناك جانب آخر أطرحه للنقاش بهذه المناسبة وهو أننا بأنفسنا ساهمنا في تقليل تأثيرنا الناعم وتقزيم قوتنا في هذا المجال ، على سبيل المثال، منذ الستينيات، كان التلفزيون المصري هو " التلفزيون العربي " وهو أمر مقصود لجمع وحدة الأمة وكلمتها ولعدم ترك الساحة خاوية من قوة مصر الناعمة . 

والتلفزيون العربي في مصر لم يكن مجرد جهاز يبث أخبار القاهرة، بل منبرا للعرب أجمعين، ومن قبله كانت إذاعة صوت العرب التي جمعت كل من يتكلم العربية من الخليج إلى المحيط ، وأججت الثورات وحركات التحرر 

 

صار تلفزيوننا الآن “ التلفزيون المصري ”، أي أننا تخلينا عن مكانتنا بين 400 مليون عربي وكأننا نخاطب فقط الشعب المصري، وكأننا نحن من أغلقنا أبواب بيتنا في وجه أشقائنا وقلنا لهم: “عذرا، البث لم يعد يشملكم”.


في السينما، التي كانت تسمى " السينما العربية " ، كان الفيلم المصري يعرض من بغداد إلى الرباط تحت هذا العنوان الجامع، فكانت القاهرة تشبه هوليوود العرب، ومصر الراوية الكبرى لحكاياتهم. 

وكانت فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية ، ثم قررنا فجأة أن نكتفي بـ“ السينما المصرية ”، وبهذا انكمش الأفق وضاق الجمهور، وسحبت البساطات الناعمة من تحت أقدامنا لصالح فضائيات وسينمات شقيقة أخرى، أخذت ما فرطنا فيه بإرادتنا.


في مجال الطرب والموسيقى، كان لدينا كوكب الشرق  أم كلثوم ، التي تدور حولها أذن العرب كلهم، وكان العرب  يجمعون عليها ويسمعون حفلاتها في الخميس الأول من كل شهر ،أصبح مطربونا محليون، فهذا مطرب مصري وهذه مطربة مصرية ، كأننا نخشى أن يسمعنا أحد من خارج الحدود . 

 إنها ليست مجرد أسماء أو شعارات ، بل رموز لهويةٍ وتاريخٍ ومكانة ، نحن الذين بنينا قوتنا الناعمة عبر الفن والتعليم والإعلام واللغة والثقافة ، ثم بدأنا نهملها فتآكلت ومازالت تتآكل ، وشعارا بعد شعار، باسم “التحديث” أحيانا، وباسم “الخصوصية” أحيانا أخرى، وبالجهل في أغلب الأحيان.


حتى الشركات، كانت كل مؤسسة تفتخر بأن تحمل اسم “ العربية ”، فهناك “الشركة العربية للمقاولات” و“الشركة العربية للهندسة” و“ الشركة العربية للنشر " إلخ .. واليوم اختفت “العربية” من اللافتات كما اختفت من الوجدان، كأننا نتبرأ من امتدادنا الطبيعي في عالمنا العربي لنصبح جزيرة معزولة في محيط من اللامبالاة.


إن القوة الناعمة لا تغتصب، بل تهدر حين نهملها، وتذبل حين نصغرها بأيدينا، لم يزحزحنا أحد عن عرشنا الثقافي والفني، بل نحن من تنازلنا عنه طوعا .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء