خدعه المرض.. رحلة "لاجئ" تونسي إلى أوروبا طلبًا للعلاج
في أحد مراكز الإيواء بمدينة "غيفغليا" على الحدود الجنوبية لمقدونيا الشمالية، يجلس الشاب التونسي “واصل”، البالغ من العمر 21 عامًا، مستندًا إلى جدار باهت اللون، تتقاطع في عينيه ملامح الإرهاق والأمل معا، جسده النحيل أنهكه المرض، لكن عزيمته ما زالت تقاوم، واصل ليس مجرد مهاجر غير نظامي عابر للحدود، بل هو شاب مريض بالسرطان، أُجبر على ترك وطنه بعدما ضاقت به سبل العلاج، في رحلة إنسانية تختصر معاناة جيل كامل بين المرض واليأس والهجرة.
يقول "واصل" لموقع “المهاجر” المتخصص في شؤون اللاجئين، تقدمت إلى القنصلية الفرنسية بطلب تأشيرة للعلاج مرتين، ورفضوا طلبي، حينها لم أجد أمامي طريقًا سوى الهجرة، حتى لا أثقل كاهل عائلتي أكثر، بعدما اقترضوا مبالغ كبيرة لعلاجي.
كان واصل في بداياته حلاقًا ولاعب كرة قدم في فرق محلية بتونس، عاش حياة بسيطة يعشق الرياضة ويحلم بالاحتراف، يقول بفخر: “كنت الأول دائمًا في المدرسة بالكرة، لم أدخن يومًا ولم أذهب إلى المقاهي لأنها مليئة بدخان النرجيلة”.
باغت المرض “واصل” في ريعان شبابه، ليقلب حياته رأسًا على عقب، ففي عام 2023، شُخصت حالته بالسرطان، وبدأ رحلة العلاج الكيميائي الذي أرهقه جسديًا ونفسيًا، حتى تساقط شعره وتبددت أحلامه شيئًا فشيئًا.
ورغم مساعدة أحد أقاربه في تقديم طلب تأشيرة للعلاج بفرنسا، إلا أن القنصلية رفضت طلبه مرتين، يقول بأسي أهلي سحبوا القروض لمساعدتي، فصاروا مديونين. كنت أفضل الموت على أن أتسبب لهم في مزيد من التعب.
رحلة الهروب عبر البحر
لم يجد "واصل" أمامه سوى طريق البحر، علّه يعبر إلى أوروبا ويجد فرصة للعلاج حاول مرتين الإبحار من صفاقس بمساعدة أحد جيرانه الذي دفع له 2000 يورو عن كل مرة، لكن المحاولتين باءتا بالفشل، وانتهت بالضرب على أيدي خفر السواحل التونسي.
يقول "واصل" بحزن أمي أصيبت بالسرطان عام 2016 وتعافت، أما أنا، فبسبب الفقر توقفت عن العلاج 6 أشهر، فعاد المرض بقوة، عندها ساعدني الجيران لأخذ جرعتين كيماويتين، لكن الجميع تعب معي.
حينها، قرر أن يهاجر برًا استدان مبلغًا جديدًا، وسافر إلى تركيا، وبقي فيها 4 أيام قبل أن يبدأ رحلته الشاقة نحو أوروبا عبر الجبال والغابات.
عبور الجبال والغابات: رحلة الموت البطيء
يتابع "واصل" مشيت شهرًا ويومين كاملين في الغابات قدماي انتفختا من المشي كنت آكل فقط تمرًا وجوزًا، وأحيانًا بعض الفواكه من الأشجار، بهذه الكلمات يصف واصل أصعب مراحل رحلته من إسطنبول إلى مقدونيا الشمالية، مرّ عبر غابات اليونان، متجنبًا المخيمات خوفًا من الاحتجاز.
في إحدى محطاته، توقف قرب مسجد في قرية يونانية، حيث اقترب منه أطفال صغار، يقول بابتسامة جلست بجانبي طفلة صغيرة… شعرت وقتها أنني ما زلت إنسانًا.
التقى خلال الرحلة بشابين مغربيين رافقاه لبعض الوقت، لكنهما تابعا طريقهما بعد أن دفعا لمهربين 1900 يورو، مبلغ لم يكن يملكه واصل، وقال "واصل" لو كان معي هذا المبلغ، لكنت تداويت به في تونس.
الوصول إلى مقدونيا الشمالية
بعد أسابيع من السير في الجبال، وصل واصل إلى "غيفغليا"، المدينة الحدودية في الجنوب المقدوني كان مرهقًا، قدماه منتفختان وممزقتان من المشي الطويل لم يكن يعرف الطريق، ولا مراكز الإيواء، حتى أبلغ بعض السكان المحليين الشرطة بوجوده، فاقتادوه إلى المركز.
في المركز، علم من المترجمة أن حالته الصحية لا يمكن علاجها في مقدونيا الشمالية. كانت صدمة جديدة له، قالت لي المترجمة إن العلاج غير متوفر هنا حزنت، لكنني أحاول أن أبقى قويًا، أساعد الآخرين كي أستمد القوة منهم.
يستخدم واصل مهنته القديمة كـحلاق لمدّ يد العون للمهاجرين الجدد في المركز، يقص شعرهم، يطهو لهم الطعام، ويتقاسم معهم القليل مما يملك.
يتابع"واصل" قصصت شعر شاب أفغاني، ومنحت بعض المراهقين المصريين طعامي القليل، أفعل الخير كأنه لنفسي، علّي أجده لاحقًا في طريقي.
مرض ينهش الجسد وصبر لا ينكسر
يتغذى واصل اليوم على المعلبات في مركز الاستقبال، رغم حاجته إلى طعام صحي، يعرف أن حالته تتدهور، لكنه يبتسم ويردد: الحمد لله على كل حال، المرض يأكلني من الداخل، لكني أحاول أن أعيش كل يوم كأنه آخر يوم لي.
ينتظر الشاب نتيجة طلب لجوئه، لكنه يدرك أن الإجراءات قد تستغرق ستة أشهر، وهي مدة يخشى ألا يعيشها، ويختتم "واصل" قالوا إن اللجوء يحتاج وقتًا طويلًا لكن الوقت ليس في صفي، ربما أموت قبل أن أحصل على الورقة.