بين أيديكم حلقة جديدة من سلسلة مقالاتنا الاستثنائية التي تحمل عنوان: "الجدران تتذكّر وجوههم: الذاكرة الصوتية، والمقاومة الوجدانية، والسياسة العاطفية بين ميدان التحرير وحملة ترامب الانتخابية".
وهو موضوع ورقة بحثية كتبتها بالانجليزية وارسلتها للنشر بعنوان" The Walls Remember Their Faces: Acoustic Memory, Emotional Resistance, and Affective Politics between Tahrir Square and the Trump Campaign.
ولا تمثل تحليلاً سياسياً تقليدياً يروي أحداثاً جافة، ولا دراسة أكاديمية صارمة، بل رحلة وجدانية وفلسفية عميقة داخل "ذاكرة الصوت".
بعدما فتحنا نوافذ الذاكرة على ميدان التحرير، حيث "الجدران تتذكر وجوههم"، ورأينا كيف تحول الصوت العضوي إلى ساحة صراع نبيلة، تختلط فيها إرادة الحياة بدموع المقاومة
وشهدنا كيف نسج المتظاهرون هناك سيمفونية الكرامة كأرشيف حي، يرفض التهميش ويثبت الوجود، يطرح السؤال الجارح نفسه: ماذا لو انقلبت هذه المعادلة السحرية؟
ماذا لو لم يعد الصوت أداة حرة تنبع من أعماق القلب الثائر، بل تحوّل إلى سلاح مصقول، مُوجَّه بدقة لـ تشكيل الوعي وتركيب العواطف من أعلى هرم السلطة؟
هذا هو المنعطف الذي تجرنا إليه رحلة اليوم، رحلة تعبر القارات من ضفة النيل الساحرة إلى ضفة الأطلسي الصاخبة، من سيمفونية الكرامة العفوية التي اشتعلت في التحرير، إلى ما يمكن أن نسميه بحرقة "شعبوية الترامب الصوتية"
إنها نقلة تبدو جغرافية وبشرية، لكنها في جوهرها انتقال مُزلزل في فلسفة استغلال الصوت ذاته؛ من صوت يخلق عالمه من الأسفل إلى صوت يُصنع ويُهندس من الأعلى، من ذاكرة صوتية تنبض بالحياة المشتركة إلى ذاكرة زائفة تُختلق بالموسيقى الصاخبة والمُصممة.
لننظر بعين الشجن والتحليل إلى مشهد الحملة الانتخابية لدونالد ترامب في عام 2016، لم تكن قوائم الأغاني التي كانت تُطلق بضجيج في تجمعاته مجرد خلفية موسيقية روتينية للتسلية أو شغل الفراغ
بل كانت جزءاً عضوياً وفعالاً من خطابه السياسي الذي يخاطب الغرائز؛ لقد وظّف ترامب وفريقه ببراعة شديدة موسيقى الروك الكلاسيكية، تلك الألحان التي تعود إلى زمن السبعينيات والثمانينيات
مثل أغنية "You Can't Always Get What You Want" لفرقة الرولينج ستونز، وأغنية "We Are the Champions" لفرقة كوين، هذه الاختيارات لم تكن أبداً عشوائية أو بريئة
بل إنها تشكل النواة الصلبة لما يمكن أن نطلق عليه اسم "الاستعارة الصوتية الشعبوية"؛ فموسيقى الروك هذه، التي ارتبطت في المخيلة الجماعية بـ زمن النشوة والقوة الأمريكية الضائعة، والعظمة العالمية التي يتخيلون استردادها
لم تكن تُعزف لجمالها اللحني، بل لقوة رمزيتها ولهيب ذكرياتها، لقد عمل فريق ترامب بمهارة فائقة على توظيف ما أسميه "الحنين المصطنع" – وهي عملية استدعاء مقصود وميكانيكي وبارد لذكريات جماعية هشة، مرتبطة بماضٍ مُتخيل يُصوَّر على أنه بسيط، مُنظَّم، وقوي بشكل جائر
هذه الموسيقى كانت تشكل الخلفية العاطفية المثالية لتغذية شعارات مُلتهبة مثل "أمريكا أولاً" و "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وكأنها جرعة منشطة من الماضي تُحقن في وعي الجمهور.
كيف تعمل هذه الآلة الميكانيكية المعقدة؟ في ميدان التحرير، كانت الذاكرة الصوتية تُخلق في اللحظة المشتعلة، نابعة من التجربة الحية والمصير المشترك، كانت تمثل "زمانية ثورية" حاضرة تحمل أمل المستقبل الموعود
أما في تجمعات ترامب، فالفعل معكوس ومُصادِر، فالهدف الأساسي هو اختطاف الزمن واصطناعه لإعادته إلى الوراء، والموسيقى الصاخبة هنا تعمل كمحفز عاطفي سريع وفعّال، يخلق إحساساً زائفاً بالألفة الكاذبة والانتماء إلى ماضٍ مجيد لم يعشه بالضرورة كل من يحضر التجمع
إنها "هيمنة عاطفية" مُغلفة بلمعة أغانٍ عتيقة يعرفها ويحبها الجميع. الإيقاع المتكرر، والكلمات التي تثير الشعور بالانتصار والتفرد الأعمى ("We are the champions")، كلها تصب في بناء هوية جماعية مُصطنعة
قائمة على نوستالجيا سطحية وليست على تجربة مشتركة وحقيقية، الصوت هنا لم يعد وسيطاً أصيلاً للذاكرة، بل أداة قوية لطمسها واستبدالها بسردية موحدة.
تكمن واحدة من أعمق وأشد مفارقات هذه الظاهرة في أن ترامب، الذي كان يبيع نفسه للجماهير كحامٍ للتراث والهوية الأمريكية "الأصيلة"
كان يستخدم أغاني لفنانين أعلنوا معارضتهم له علناً وطالبوا بوقف استغلال أغانيهم في فعالياته، وفرقة الرولينج ستونز، على سبيل المثال، لم تتردد في التعبير عن رفضها القاطع لاستغلال فنها.
هذه المفارقة لا تعكس جهلاً ساذجاً من الحملة، بل تكشف عن منطق أكثر دهاءً ووحشية:
منطق القوة العمياء التي تسخر حتى ما يعارضها، في سياسات الصوت هذه، لا تكون القيمة الفعلية للعمل الفني أو رسالة مؤلفه الأخلاقية هي المهمة، بل "التأثير" العاطفي المباشر والجياش الذي يحدثه على الحشود المُنقادة
الفنان ومعارضته يصبحان مجرد تفصيل هامشي في وجهة القطار الشعبوي الذي لا يعترف سوى بمنطق التأييد والهتاف والضجيج. ها هي "السياسة العاطفية" تُظهر وجهين متناقضين في أبسط صورها وأكثرها تعقيداً في الوقت ذاته:
في التحرير، الصوت ينبعث كالنبع من القاعدة إلى القمة، هو صوت "المقاومة الوجدانية" الصادقة، الذاكرة الصوتية عضوية، نابضة، وتعددية تحترم الاختلاف، والزمانية ثورية، تتطلع بصدق للمستقبل الموعود. أما في حملة ترامب
الصوت يُوجَّه كالسهام المسمومة من القمة إلى القاعدة، هو صوت "الهيمنة العاطفية" المُصنّعة، الذاكرة الصوتية زائفة وأحادية ومُفتعلة، والزمانية نوستالجية مُحبطة، تابعة لماضٍ مُتخيل ومزيف.
هذا الفرق الجوهري هو ما يجعل دراسة الذاكرة الصوتية ضرورية لفهم أعمق لسياساتنا المعاصرة وتحدياتها
فهو يذكرنا بأن المعركة الكبرى ليست فقط على الأرض أو في البرامج السياسية المكتوبة، بل هي معركة شرسة على الوجدان، على حيازة الذاكرة الجماعية، وعلى من يملك حق "تسجيل" سيمفونية الأمة وتوجيه إيقاعها.
وفي المقال القادم، سنواصل الغوص بشغف في هذه الثنائية المثيرة، لنفتح معاً ملف "الزمانية الثورية" في التحرير وكيف جعلت كل لحظة تحمل ثقل الماضي وأمل المستقبل في آن معاً
وكيف تتحول حتى الحجارة الصماء إلى شاهد حي لا يمكن تزييفه على تاريخ الوجدان، شاهد تقف أمامه آلات صنع "الحنين المصطنع" عاجزة وخاسرة، لأن الذاكرة الحقيقية، في النهاية، مقاومة متأصلة لا يمكنها أن تقبل التصنيع أو التزوير.