مع آخر خيط للشمس فوق أراضي طرح النهر بمركز أشمون بالمنوفية، جلس الحاج عبد الرحمن أمام بيته البسيط يراقب ابنه الأكبر وهو يودّع القرية متجهاً إلى القاهرة بحثاً عن سكنٍ وفرصةٍ أرحب.
حاول الأب على مدى عامين أن يبني لابنه بيتاً صغيراً على أطراف الحقل لكن القوانين الصارمة من جهة، وغلاء أسعار مواد البناء من جهة أخرى، جعلا الحلم عصياً.
لم يجد سوى خيارين حلوهما مرّ: أن يقتطع من أرضه الزراعية مساحة للبناء فيخالف القانون ويخسر جانباً من رزقه، أو أن يرى أبناءه يهاجرون واحداً تلو الآخر نحو مدن لا تحتمل مزيداً من الوافدين.
فبينما تتجه الدولة إلى إنشاء مدن جديدة وتطوير البنية التحتية لاستيعاب النمو السكاني، يدفع الحاج عبد الرحمن وأمثاله تكلفة باهظة لتطوير مدن لن يسكنوها أو ربما لن يمروا عليها طوال أعمارهم.
فالعاصمة الجديدة -مثلاً- بما تكلفته من مليارات زاحمت أولويات الإنفاق العام من داخل وخارج الموازنة العامة، لن تستوعب النمو السكاني الطبيعي للغالبية العظمى من محافظات مصر.
يشعر سكان الريف بأنهم يدفعون الثمن أضعافاً: مرةً بفقدان أراضيهم الخصبة، ومرةً بهجرة أبنائهم، وثالثة بتحميلهم نصيباً من الدين العام المتزايد على خلفية التطوير العمراني المتحيز، ورابعة بحرمانهم من الحيز المتراجع في موازنة الدولة للإفاق على التعليم والصحة والسكن.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن صياغة إطار تشريعي وتنموي يسمح بالتوسع العمراني المنظّم، دون المساس بروح الريف وهويته الزراعية، ويوازن بين حق المدن في النمو وحق القرى في البقاء والتمدد الطبيعي؟
تكشف الأرقام عن ضغوط واضحة على محددات التنمية العمرانية في مصر.
يعيش نحو نصف السكان في المناطق الحضرية وفق تقديرات البنك الدولي لعام 2024، ما يزيد الحاجة إلى تطوير المدن الكبرى وتوفير مساكن وخدمات وبنية تحتية متقدمة بتكاليف مضاعفة.
في الوقت نفسه، يواجه الريف تحديات ملموسة في توفير مساكن مناسبة للأجيال الجديدة، مع ضرورة الحفاظ على الأراضي الزراعية وصون الإنتاجية.
وتشير التجربة إلى أن الضغط على القاهرة الكبرى يتزايد نتيجة التوسع غير المتوازن، مما يجعل من الضروري تمكين المحافظات وريفها من التوسع العمراني بشكل منظم يوازن بين نمو المدن، وحماية الأراضي الزراعية، وتخفيف الضغوط عن العاصمة.
ويمكن تحديد مبادئ توجيهية لإطار تشريعي فعال، تشتمل على أربعة محاور أساسية :
أولاً: يجب وضع ضوابط واضحة لتحويل الأراضي الزراعية، تميّز بين أراضٍ غير قابلة للتحويل لأهميتها البيئية أو الغذائية، وأراضٍ طينية منهكة قد لا تكون الأعلى خصوبة، وأخرى يمكن تطويرها بشروط صارمة.
ويجب إلزام أي مشروع بتحليل شامل لتأثيره البيئي والاجتماعي والاقتصادي ونشر نتائجه للعموم.
ويأتي في هذا السياق أهمية النظر إلى استصلاح الأراضي الصحراوية كوسيلة لتعويض أي زحف عمراني على الأراضي الطينية، مع مراعاة القيود المائية والتأكد من استدامة الموارد قبل أي تحويل.
ثانياً: يتعين وضع آليات تعويض عادلة تشمل البدائل النقدية والطبيعية، إضافة إلى منح المزارعين إمكانية المشاركة في مشاريع استصلاح الأراضي الصحراوية.
يمكن إنشاء «صندوق تعويض ومشاركة منافع الأراضي» يمول جزئياً من أرباح التطوير والعوائد العقارية
ويوفر للفلاحين أرضاً بديلة أو حصة من الأرباح المستقبلية، مع برامج تدريب وتأهيل مهني لتمكينهم من العمل في المدن الجديدة أو في مشاريع الاستصلاح.
وقد نجحت كوريا الجنوبية في تطبيق نموذج مماثل، حيث يشارك المزارعون في تطوير الأراضي مع الحصول على تعويضات عادلة، ما يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من النزوح الريفي.
ثالثاً: ينبغي اعتماد أساليب تنظيمية للتوسع العمراني تشمل حزم عمرانية وحدود نمو حضري تحد من الامتداد العشوائي للمدن، مع المرونة لإعادة تخصيص أراضٍ بديلة عند الحاجة.
وتضمن هذه السياسة حماية الأراضي الزراعية الحيوية، وتوجيه التوسع نحو أراضٍ أقل خصوبة أو نحو مشاريع استصلاح صحراوية، مع الأخذ في الاعتبار قيود الفقر المائي على عمليات الري والزراعة، لضمان أن أي توسع عمراني لا يفاقم نقص الموارد.
رابعاً: تتطلب آليات تمويل مبتكرة وتوزيع المنافع مثل فرض رسوم على زيادة قيمة الأرض الناتجة عن التطوير (Betterment levy)، أو استخدام نظام إعادة تقسيم الأرض (Land readjustment) بحيث يحصل المزارعون على قطعة ضمن المخطط الجديد أو تعويض نقدي مع حصة من الأرباح.
يمكن توجيه جزء من هذه الموارد لتمويل مشاريع الاستصلاح الصحراوي والبنية التحتية المائية اللازمة، ما يضمن دمج أصحاب الأراضي المحليين في عملية التطوير ويقلل الصراعات القانونية والاجتماعية، كما أثبتت فعاليته في تجارب كوريا الجنوبية واليابان.
يساهم دمج الزراعة الحضرية والحواف الريفية القريبة في تحقيق التوازن بين الريف والحضر، ويمكن دعم مشروعات زراعية على حواف المدن، وتطوير أسواق بيع مباشرة، وربط المنتجين الريفيين بسلاسل القيمة والخدمات اللوجستية الحضرية.
هذا يعزز الدخل الريفي ويحافظ على الهوية الزراعية، بينما يوفّر للمدن منتجات طازجة بأسعار مناسبة لاتضاعفها تكاليف النقل والتخزين.
كذلك تكتسب قضية الفقر المائي أهمية حاسمة في هذا السياق، إذ تواجه مصر تحديات كبيرة في إدارة موارد المياه المتاحة، ما يضع قيوداً على التوسع الزراعي والحضري على حد سواء.
ويمكن التغلب على هذه المشكلة من خلال تحسين أدوات الرأي الحديث (كالري بالتنقيط) واتخاذ القرارات المبنية على البيانات الدقيقة، مثل نظم المراقبة الرقمية، والاستشعار عن بعد، ونماذج التنبؤ بالطلب على المياه.
كما تلعب إعادة التدوير واستخدام المياه المعالجة دوراً محورياً، سواء في الزراعة الحضرية أو الريف الحديث، لتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية وضمان توزيع عادل للمياه بين المناطق.
ينبغي أيضاً تعزيز التخطيط اللامركزي وتمكين المحافظات لإعداد مخططات تنموية متكاملة ومتناسقة مع الخطة الوطنية، مع أدوات مالية كافية لتنفيذ خدمات أساسية في الريف: مياه، صرف صحي، طرق، واتصال رقمي. هذا يقلل من الهجرة غير المخطط لها إلى المدن ويضمن توزيعاً متوازناً للفوائد التنموية بين المناطق الحضرية والريفية.
وقد قدّمت الصين نموذجاً فريداً في تحقيق التوازن بين التنمية الريفية والحضرية عبر ما يُعرف بـ«سياسة الدمج الريفي–الحضري» التي أطلقتها منذ أوائل الألفية الثالثة. ركزت هذه السياسة على إنشاء مدن صغيرة ومتوسطة بالقرب من التجمعات الريفية لتوفير فرص عمل وخدمات أساسية دون الحاجة إلى نزوح واسع نحو المدن الكبرى.
كما اعتمدت الصين نظام «حقوق الأرض التعاونية» الذي يتيح للفلاحين المشاركة في استثمار أراضيهم ضمن مشروعات تنموية، مع الحفاظ على ملكيتهم الجزئية وضمان تعويضهم في حال التحويل.
وساهمت هذه السياسة في رفع الدخل الريفي بنسبة تجاوزت 7% سنوياً خلال العقد الأخير، وخفّضت فجوة الدخل بين الريف والحضر إلى أقل من النصف مقارنة بما كانت عليه مطلع القرن. كما نجحت في دمج التكنولوجيا الزراعية الحديثة وإعادة تدوير المياه ومخلفات الزراعة ضمن منظومة التنمية المحلية، ما جعل «الريف المنتج» قاعدة دعم مستدامة للنمو الحضري.
أما الهند فقد انتهجت طريقاً مغايراً يقوم على «تمكين الريف من الداخل» عبر خطط التنمية المتكاملة للقرى (Integrated Rural Development Programme) ثم «مهمة الهند الرقمية» التي ربطت أكثر من 250 ألف قرية بشبكة الإنترنت والخدمات الحكومية الإلكترونية. اعتمدت الحكومة الهندية كذلك مبدأ «التنمية المتمركزة حول القرى» عبر بناء مراكز صناعية صغيرة على أطراف الريف لتوظيف السكان محلياً وتقليل الهجرة إلى المدن المكتظة مثل مومباي ودلهي.
كما أدخلت الهند سياسات لإدارة المياه الجوفية وتوسيع نظم الحصاد المائي، وأنشأت صناديق محلية لدعم الزراعة الذكية وإعادة استخدام مياه الصرف في الري. هذا الدمج بين التكنولوجيا والإدارة المجتمعية أسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد وتقليص الفقر المائي وتحسين جودة الحياة في الريف دون تعطيل مسار التوسع العمراني.
يمكن لمصر أن تستفيد من هذه التجارب عبر إصدار قانون شامل للتخطيط العمراني والتحكم في تحويل الأراضي يتضمن تحديد فئات الحماية الزراعية، وإلزام تقييم الأثر، وإنشاء صندوق وطني للتعويض ومشاركة المنافع. ويمكن تمويل هذه المبادرات من فرق ارتفاع قيمة الأرض، وحصص من تراخيص التطوير، ومساهمات المطورين في البنية التحتية. كما يمكن البدء بتجارب تجريبية في محافظتين أو ثلاث لتكييف الآليات قبل تعميمها.
يظهر من هذا السياق أن تحقيق التوازن بين التنمية الريفية والحضرية ليس خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية وأمنية. ويوفر إطار تشريعي منصف ومرن فرصة لمصر لتوسيع مدنها الحديثة دون المساس بالهوية الزراعية، وضمان توزيع متوازن للفوائد بين الريف والحضر، مع إدارة مستدامة للمياه وتعزيز قدرات إعادة التدوير، بما يحقق استدامة الموارد وتحفيز النمو الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.