قطاع الغاز في مصر بين طموح الحكومة واستمرار الحاجة للاستيراد
يعد ملف الغاز الطبيعى من أهم الملفات الحاسمة التي تواجه الحكومة، فى ظل انخفاض معدل الإنتاج والتوجه لزيادة استيراد الغاز الإسرائيلى والغاز المسال، وتعمل وزارة البترول جاهدة لحل العقبات والأزمات في ذلك الملف من خلال توقيع استثمارات جديدة لزيادة معدل البحث والتنقيب في مصر. ولكننا فوجئنا بإعلان د.مصطفى مدبولى رئيس الوزراء خلال المؤتمر الأسبوعي للحكومة، قبل يومين، أن «مصر عادت لتصدير الغاز الطبيعي بعد فترة من التركيز على التوريد المحلي فقط»، وتكشف الوقائع الميدانية أن الاستيراد لا يزال مستمرًا، ما يطرح تساؤلات حول دقة الصورة التي تقدمها الحكومة عن أداء قطاع الطاقة.
التعاقد على استيراد شحنات جديدة !
ففي الوقت الذي أكد فيه رئيس الوزراء أن «عدد الشحنات المصدرة لا يزال محدودًا لكنه يمثل بداية لتعافي قطاع الغاز»، وكشفت مصادر مطلعة أن الهيئة العامة للبترول طرحت مناقصة لشراء ثلاث شحنات من الغاز الطبيعي المسال للتسليم خلال النصف الثاني من نوفمبر الجاري، في خطوة تعكس استمرار العجز بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.
وقد تحولت مصر خلال العام الماضي إلى مستورد صافى للغاز المسال، بعد أن كانت من أبرز المصدرين في شرق المتوسط، حيث اضطرت إلى شراء شحنات إضافية خلال الصيف الماضي لتغطية احتياجات الكهرباء، ثم طلبت تأجيل بعضها في أكتوبر قبل أن تعتمد على المشتقات النفطية لتوفير كميات من الغاز لأغراض التصدير.
في المقابل، أعلن وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، في تصريحات عبر بودكاست "بتروكاست"، أن الوزارة تستهدف رفع إنتاج الغاز إلى ما بين 6.4 و6.6 مليارات قدم مكعب يوميًا خلال السنوات الخمس المقبلة، بدعم من استثمارات أجنبية كبرى من شركات "إيني" و"بي.بي" تقدر بنحو 13 مليار دولار.
لكن مصادر بقطاع الطاقة ترى أن هذا الطموح يحمل جانبًا من التفاؤل غير المضمون، مشيرة إلى أن التصريحات الحكومية تعكس آمالًا مشروعة لكنها لا تستند إلى مؤشرات إنتاج واقعية حتى الآن.
نائب رئيس هيئة البترول الأسبق: آمال مشروعة لا تستند إلى حقائق
ومن جانبه، أوضح المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن كل الحقول المكتشفة حاليًا لا تكفي للوصول إلى هذا المعدل بعد استكمال عمليات التنمية، ما يجعل تحقيق هدف 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا مرهونًا باكتشاف ضخم جديد على غرار حقل ظُهر أو عدة اكتشافات متوسطة الإنتاجية.
وأضاف يوسف فى تصريح خاص، أن منطقة شرق المتوسط تشهد منذ سنوات حالة من ندرة الاكتشافات الغازية الكبيرة في دول مثل قبرص واليونان وتركيا وإسرائيل وليبيا، وهو ما يعقد مهمة الوصول إلى معدلات إنتاج مرتفعة.
وتابع أن استعراض هذه الآمال بشكل متكرر قد يتحول إلى مصدر إحباط إذا لم يتحقق فعليًا، خاصة أن مصر تنفق حاليًا مبالغ ضخمة على استيراد الغاز المسال تُقدر بنحو 2.25 مليار قدم مكعب يوميًا، إلى جانب الغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب من الشرق، وهو ما يجعل الهدف الأهم الآن هو الحد من الواردات قبل الحديث عن زيادة الصادرات.
شادة بجهود الوزارة لاستعادة ثقة المستثمرين
وأوضح أن استيراد الغاز يحمل الدولة نفقات مرتفعة تشمل النوالين والتأمين البحري وتكاليف البنية التحتية لاستقباله، بينما تصدير الغاز حتى إن كان لصالح الشريك الأجنبي يتم بأسعار أقل كثيرًا من أسعار الاستيراد، مع توفير النوالين والتأمين والاكتفاء بإحدى المنصات المحلية للتصدير.
ومع ذلك أشاد يوسف بجهود وزارة البترول في تحسين علاقتها مع الشركات العالمية، ما ساهم في استعادة ثقة المستثمرين وتعهدهم بضخ استثمارات جديدة لتسريع عمليات تنمية الحقول المكتشفة، بعد سنوات من التباطؤ.
ليظل السؤال المطروح: هل يمكن لمصر أن تحقق توازنًا حقيقيًا بين طموح التصدير وواقع الاستيراد، أم أن “التعافي” الذي تتحدث عنه الحكومة لا يزال في بدايته؟
