لاجئون من جبال الهيمالايا لوادي أيداهو.. قصة مجتمع اللاجئين "البوتانيين"
في أحد أحياء مدينة توين فولز بولاية أيداهو الأميركية، تُطلّ رائحة الكاري والبهارات من النوافذ المفتوحة في مساءات الصيف أصوات الأطفال تتداخل مع التراتيل الدينية القادمة من كنيسة صغيرة يرتادها العشرات من الأسر البوتانية، الذين حملوا معهم من جبال الهيمالايا حنينهم إلى وطنٍ لم يعودوا يملكون أوراقه الرسمية هؤلاء هم اللاجئون البوتانيون، الذين تحوّلوا على مدار أكثر من عقد إلى مجتمع صغير متماسك في قلب منطقة تُعرف بتديّنها المحافظ وثقافتها البيضاء التقليدية.
رحلة بدأت من التهجير القسري
تعود جذور القصة إلى مطلع التسعينيات حين أطلقت حكومة بوتان حملة “أمة واحدة، شعب واحد”، التي استهدفت السكان الناطقين بالنيبالية في الجنوب، والمعروفين باسم اللوثشامبا.
في غضون سنوات قليلة، تم طرد أكثر من 100 ألف شخص، جُرّدوا من الجنسية وطُردوا قسراً إلى نيبال، تكدّست الأسر في مخيمات لاجئين مكتظة شرق نيبال، يعيشون خلف الأسلاك الشائكة في أكواخ من الخيزران بلا كهرباء ولا ماء كافٍ.
بعد سنوات من الفشل في التوصل إلى حلّ لإعادتهم، أطلقت الولايات المتحدة عام 2007 برنامجًا لإعادة توطين اللاجئين البوتانيين، ليبدأ فصل جديد من الرحلة.
توين فولز.. مدينة محافظة تتعلم التنوّع
اختارت وكالة الهجرة الدولية عدداً من المدن الأميركية لاستقبال اللاجئين، بينها توين فولز، وهي مدينة زراعية صغيرة تقع في وادي “ماجيك فالي” جنوب أيداهو.
يبلغ عدد سكان المدينة نحو 50 ألف نسمة، 75% منهم من البيض، وغالبية سكانها من المحافظين الإنجيليين الذين يدعمون الحزب الجمهوري، منذ ثمانينيات القرن الماضي، استقبلت توين فولز موجات من اللاجئين: من فيتنام، وكمبوديا، والبوسنة، والصومال، ثم جاءت الموجة البوتانية عام 2008.
خلال سنوات قليلة، عمل الرجال في مزارع الألبان والمصانع الغذائية، والتحقت النساء بالمدارس أو مشاريع صغيرة منزلية، بينما اندمج الأطفال في الفصول الدراسية من خلال برامج تعليم اللغة الإنجليزية كلغة ثانية.
ثقافة تتكيّف دون أن تذوب
داخل هذا المجتمع الصغير، الذي يُقدّر اليوم بنحو 150 لاجئاً بوتانياً في توين فولز، ما زالت العادات القديمة حاضرة الأعراس التقليدية، أعياد “تيهار” و“دسيرا”، والطعام النيبالي الذي أصبح مألوفاً حتى لبعض الجيران الأميركيين.
إلا أن التحديات لم تغب فخلال حملة دونالد ترامب الأولى عام 2016، شهدت المدينة موجة عداء ضد اللاجئين بعد تضخيم تقارير إعلامية خاطئة حول جريمة مزعومة خرجت مظاهرات وعلت أصوات تطالب بوقف استقبال اللاجئين، قبل أن تهدأ لاحقاً، لكنها تركت جرحاً في ذاكرة الجالية.
الجيل الجديد بين هوية الماضي ومستقبل أميركي
بينما ما يزال الجيل الأول من اللاجئين يحمل حنيناً للماضي، يبدو الجيل الجديد أكثر انغراساً في الواقع الأميركي، الطلاب البوتانيون يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، ويعملون في وظائف مختلفة، ويتطلعون إلى دخول الجامعات.
في الوقت ذاته، تحاول الأسر الحفاظ على اللغة النيبالية والعادات الدينية، خوفاً من ضياع الهوية الأصلية في مجتمع سريع التغيّر.
بين الاندماج والخوف من المستقبل
على الرغم من استقرارهم النسبي، لا تزال التحديات القانونية والاقتصادية تهدد مستقبل كثيرين منهم. بعض الأسر ما زالت تنتظر الحصول على الجنسية، وآخرون فقدوا وظائفهم بسبب تراجع الدعم الحكومي أو بسبب التمييز.
من مخيم اللاجئين إلى الحلم الأميركي
من وراء محيطات وبوادي، انتقل اللاجئون البوتانيون من حياة الخيام إلى حياة البيوت الصغيرة في توين فولز، قصة مجتمعهم هي قصة عن القدرة على البقاء والبحث عن الكرامة، وعن مدينة صغيرة تكتشف أن الإنسانية يمكن أن تتجاوز السياسة.
وبينما تظل رائحة البهارات تعبق في أحياء المدينة، يبقى الأمل هو الرابط الأقوى بين ماضي المخيمات ومستقبل الأبناء الذين يكتبون فصلاً جديداً من الحلم الأميركي بطعم الهيمالايا