«الأعلى للجامعات» يتحرك لمواجهة عجز الأساتذة.. وتحذيرات من «توسع بلا خطة»
هناك قاعات خالية من الأساتذة، وأقسام علمية تدار بعضو هيئة تدريس واحد منذ أكثر من عقد، هذا هو أهم ما يقال حاليًا على الساحة الجامعية بعد أن تكشفت الأزمة الخطيرة التي تضرب عمق التعليم الجامعي في مصر، فبينما تتسارع وتيرة إنشاء جامعات جديدة تحت شعار "التوسع في التعليم العالي"، تتراجع الكوادر الأكاديمية بوتيرة أسرع.
أصوات أكاديمية تحذر من "انهيار تدريجي لجودة التعليم"، وأخرى تؤكد أن "الظاهرة ليست عامة لكنها تنذر بالخطر"، فيما يتحرك المجلس الأعلى للجامعات بخطط عاجلة لإعادة التوازن داخل المنظومة، وضمان ألا تتحول قاعات العلم إلى هياكل بلا حياة.
إنشاء الجامعات دون خطة سيؤدي لانهيار تدريجي في جودة التعليم
من جانبه، قال الدكتور محمد كمال، أستاذ بجامعة القاهرة، إن ما يحدث في بعض الجامعات الحكومية من نقصٍ حادّ في أعضاء هيئة التدريس، خاصة في الكليات العملية مثل طب الأسنان والهندسة والحاسبات، ليس مجرد خلل إداري عابر، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في فلسفة إدارة التعليم العالي في مصر.
وأضاف الدكتور محمد كمال، في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، قائلًا "لدينا كليات وأقسام تُدار منذ سنوات بعدد قليل جدا والكارثة ما تم الكشف عنه في جامعة الفيوم عضو هئية تدريس واحد فقط بالقسم منذ 2014، وكذلك بعض كليات الحقوق منذ عامين، وهذا وضع غير مقبول علميًا ولا تربويًا، فالقسم العلمي يجب أن يكون مؤسسة معرفية متكاملة، وليس مجرد اسم على الورق، لا يمكن لأي عضو مهما كانت كفاءته أن يتحمل عبء التدريس والإشراف والامتحانات بمفرده".

بعض الجامعات أصبحت تلجأ إلى حلول غير قانونية
ويتابع الدكتور محمد كمال، قائلا: "الأخطر أن بعض الجامعات أصبحت تلجأ إلى حلول غير قانونية مثل الاستعانة بأشخاص لم يصدر لهم قرار تعيين رسمي، لتغطية النقص في التدريس أو المراقبة على الامتحانات، هذا انتهاك صريح لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، ويجب أن تتدخل الوزارة والمجلس الأعلى للجامعات لوقف هذه التجاوزات فورًا".
وأكد الدكتور محمد كمال، أن القانون واضح: "لا يجوز لأي شخص أن يمارس عملاً أكاديميًا داخل القاعات إلا بعد صدور قرار التعيين أو الندب من رئيس الجامعة وموافقة المجالس المختصة، وكل ما يخالف ذلك يعرّض المؤسسة التعليمية للمساءلة القانونية ويشكّك في سلامة العملية الامتحانية برمتها".
وأضاف الدكتور محمد كمال، قائلًا: "نحن نحذّر منذ سنوات من أن التوسع في إنشاء الجامعات دون خطة موازية لتوفير أعضاء هيئة التدريس سيؤدي إلى انهيار تدريجي في جودة التعليم، ومن غير المنطقي أن نعلن عن كلية جديدة في محافظة ما دون أن يكون هناك هيكل أكاديمي جاهز لتشغيلها".
واختتتم الدكتور محمد كمال، حديثه قائلاً: "الحل ليس فقط في زيادة التعيينات، بل في إعادة الاعتبار للمهنة الأكاديمية، يجب تحسين الأجور، وتبسيط إجراءات التعيين والترقية، وتقديم حوافز للكوادر الشابة للبقاء في الجامعة بدل الاتجاه للقطاع الخاص أو السفر"، مؤكدًا أن التعليم الجامعي هو عصب الدولة الحديثة وإذا استمر هذا النزيف الأكاديمي فسنصل إلى مرحلة تُدار فيها الجامعات بلا أساتذة حقيقيين، وتُمنح الشهادات بلا علم.
أسباب قلة عدد الأساتذة بالجامعات الحكومية
وفي سياق متصل، قال الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، إن نقص أعضاء هيئة التدريس في بعض الأقسام وبعض الكليات في الجامعات الحكومية ليس شائعًا في الجامعات، مشيرًا إلى أن معظم الجامعات والأقسام تكون مستوفية نصابها في أعداد أعضاء هيئة التدريس في معظم الكليات أو الأقسام.
وأضاف الدكتور تامر شوقي، في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن هناك شروطًا في حالة إعارة عضو هيئة التدريس إلى القسم، قائلًا "العضو لما يخرج ما يخلش بعدد أعضاء هيئة التدريس التي يجب أن تكون في القسم، وبيبقى فيه قيود وشروط محددة في الجامعة لإعارة أي عضو هيئة تدريس، بحيث أن هو لا يؤثر على العمل الداخلي، ومن ثَمَّ فإن هذه الظاهرة عايزين نؤكد في البداية أنها ليست ظاهرة شائعة في الجامعات المصرية، وإن كانت توجد في بعض الأقسام أو بعض الكليات".
وأوضح الدكتور تامر شوقي، أن سبب حدوث مثل هذه المشكلات، أن رواتب أعضاء هيئة التدريس ليست هى المُثلى، مؤكدًا أن الكثير من أعضاء هيئة التدريس يفضلون الإعارة الخارجية عن العمل بداخل الجامعة الحكومية، وأشار إلى أن السبب الثاني هو الإعارة الداخلية لمن لم يجد فرصة للإعارة الخارجية، فيتجه الأستاذ الجامعي إلى الإعارة الداخلية في إحدى الجامعات الخاصة، متابعًا :"لايوجد أي عجز في الجامعات الخاصة على عكس بعض الجامعات الحكومية".

حداثة نشأة الكثير من الجامعات
وأشار الدكتور تامر شوقي، إلى أن السبب الثالث هو حداثة نشأة الكثير من الجامعات الحكومية، سواء إنشاء الجامعة بشكل كلي أو استقلالها عن جامعات أُم "كانت فروع لجامعات حكومية"، فأصبحت جامعات مستقلة، ومن ثَمَّ أعضاء هيئة التدريس كاملة ليست متاحة بها.
وأوضح شوقي، أن السبب الرابع هو أن بعض الأقسام الأكاديمية لا تشمل طلاب، لكن تلك الأقسام تخدم على أقسام ثانية، ومن ثَمَّ فإن أعداد أعضاء هيئة التدريس بها لا يكون كبيرًا، قائلًا :"أعضاء هيئة التدريس تدرس للطلاب في جميع أقسام الكلية الأخرى أوتقدم محاضرات أساتذتها لطلاب الأقسام الأخرى في الكلية، مثلًا لو في كلية الطب، تلاقي دكتور في قسم الأنسجة، لا يوجد تخصص أنسجة، لكنه يقوم بالتدريس لطلاب قسم الباطنة والجراحة فهذا سبب".
وأكد شوقي، أن السبب الخامس، هو إحجام عن التعيين بالجامعة، موضحًا أن الطلاب الأوائل في العديد من الكليات تفضل العمل بالشركات الخاصة والمؤسسات التعليمية الكبرى عن التعيين بالجامعة، قائلًا: "طلاب كلية الهندسة، بدل ما يشتغلوا في الجامعة برواتب ضعيفة، بيتجهوا إلى العمل في شركات البترول أو شركات المقاولات الكبرى أو المؤسسات الصناعية الكبرى، وطالب الحقوق بدل ما يتعين في الجامعة بيروح يتعيين في النيابة"، مؤكدًا أن هذا السبب أدى إلى نقص أعضاء هيئة التدريس الجدد بالجامعات الحكومية.
صعوبات تواجه الباحثين
وأوضح شوقي، قائلًا :"هناك بعض الصعوبات الأكاديمية أو بعض الصعوبات التي تواجه الباحثين في إكمال رسائلهم في الماجستير والدكتوراه، فبالتالي بيحجموا عن تكملة عملهم فيها، فإما ارتفاع تكاليف الماجستير والدكتوراه أو صعوبتها أو وجود مشكلات مع المشرف، فبالتالي بيرفضوا إنهم يكملوا دراساتهم"، مختتمًا:"قد يكون هناك عجز من الأساس في عدد أعضاء هيئة التدريس الموجودين بهذه الكليات داخل الجامعات المنشأة حديثًا".
خطة "الأعلى للجامعات" لمواجهة أزمة نقص الأساتذة
بينما كشف مصدر مسؤول بالمجلس الأعلى للجامعات، أن قانون تنظيم الجامعات يُلزم أعضاء هيئة التدريس بقضاء عدد محدد من ساعات العمل داخل الجامعة، مع السماح بالانتداب للعمل بالخارج وفق ضوابط وشروط دقيقة، تضمن الحفاظ على انتظام العملية التعليمية.
وأوضح، في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، أن ملف أعضاء هيئة التدريس بات أحد أبرز القضايا المطروحة حاليًا داخل المجتمع الجامعي، في ظل النقص الواضح بعدد من التخصصات في الجامعات الحكومية، خصوصًا في المحافظات التي أُنشئت خلال العقد الأخير، ما يهدد بتأثير مباشر على جودة التعليم والتوازن داخل المنظومة الجامعية.
وأشار، إلى أن المجلس الأعلى للجامعات برئاسة الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، اعتمد بجلسته المنعقدة بتاريخ 28 ديسمبر 2024، تشكيل وتحديد اختصاصات لجان قطاعات التعليم الجامعي الدورة الجديدة 2025-2028، والتي بدأت أعمالها بدءًا من 5 يناير 2025، وذلك بعد ضم لجان قطاعات المعاهد العليا الخاصة التابعة للوزارة؛ بهدف توحيد سياسات التعليم العالي والجامعي والتأهيل والتدريب بكافة مؤسسات التعليم العالي المصرية.
وأوضح مصدر بالمجلس الأعلى للجامعات، أن المتابعة الأخيرة أظهرت ضرورة تحديث وتطوير الخطط الخمسية التي تُعدها الكليات لتحديد احتياجاتها الأكاديمية والبشرية، باعتبارها الأداة الأساسية للتخطيط المستقبلي، ومن هذا المنطلق، تم تشكيل لجنة عليا مختصة لدراسة الملف ووضع حلول عملية تسهم في سد العجز وتحسين توزيع الكوادر، وتشمل الخطة رصد التخصصات التي تشهد نقصًا حادًا في أعضاء هيئة التدريس وتحديد أولويات التعيين بما يضمن استمرارية العملية التعليمية.
وأكد، في ختام تصريحاته، أن التوازن داخل منظومة التعليم العالي لا يزال قائمًا، مشيرًا إلى أن لجان القطاع تلتزم بعدم منح الموافقة على إنشاء أي كلية جديدة إلا بعد التأكد من توافر الحد الأدنى من الموارد البشرية اللازمة، حفاظًا على جودة التعليم واستدامة الأداء الأكاديمي.
تطوير شامل لآليات تشكيل لجان قطاعات التعليم الجامعي
من جانبه شدد المجلس الأعلى للجامعات، على ضرورة تحديث وتطوير شامل لآليات وقواعد تشكيل لجان قطاعات التعليم الجامعي بما يتماشى مع رؤية وأهداف الجمهورية الجديدة، ويواكب المتغيرات السريعة في العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي، بما يحقق الأهداف المنشودة من خلال عدد من المحاور الاستراتيجية، ومن أهمها 3 محاور رئيسية وهى:
- المحور الأول:أن يكون رسم وتخطيط سياسات التعليم الجامعي والعالي في مصر وفق رؤية متكاملة، بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية في الدولة في مجالات التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي والبحث العلمي، وذلك في ضوء المعايير العلمية والأكاديمية العالمية.
- المحور الثانى:ربط المناهج الدراسية الحالية بالكليات والمعاهد مع آليات التدريب والتأهيل لريادة الأعمال، في ضوء احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية، بما يلبي متطلبات الوظائف المستقبلية في ظل المتغيرات التكنولوجية، والتي تتماشي مع خطط الدولة الاستثمارية والاستراتيجية للتطوير قصيرة وطويلة الأجل، مع مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي الحالي والمستقبلي، وفقًا للمعايير العلمية والأكاديمية العالمية.
- المحور الثالث:العمل على مشروع تنمية أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بالجامعات المصرية؛ لمواجهة سد العجز في بعض التخصصات والمجالات العلمية، ووضع آلية تكفل الحفاظ على القوى البشرية من الهجرة للخارج.
وتحقيقاً لذلك تولى الدكتور مصطفى رفعت أمين عام المجلس الأعلى للجامعات العمل على أن تحقق الآليات والقواعد الاختيار الأمثل للقيادات والأعضاء، والعمل على أن تكون المجالات العلمية لقطاعات التعليم الجامعي تتماشي مع المجالات والتخصصات العلمية طبقًا للمعايير الأكاديمية العالمية، وتكليف التشكيل الجديد بمهام تتسق مع الخطط الاستراتيجية.