قطاع غزة... مرضى ينتظرون العلاج والمستشفيات تحت ضغط هائل
في غزة، يواجه آلاف المرضى معاناة يومية أمام نظام صحي ينهار تحت وطأة التدمير والازدحام. من هؤلاء محمد وائل حلس، الفتى البالغ من العمر 14 عامًا، الذي أصيب في العمود الفقري خلال غارة جوية إسرائيلية قبل نحو شهرين. محمد، الطالب المتفوق الذي كان يحلم بأن يصبح طبيبًا، وجد نفسه منذ الحادثة مصابًا بشلل جزئي وينتظر إجراء عملية جراحية عاجلة منذ خمسين يومًا.
نقص الإمكانيات الطبية في القطاع
الهجوم الذي أودى بحياة سائق الشاحنة التي كان يستقلها، أدى إلى تمزق نخاعه الشوكي وكسر ثلاث فقرات، في حين يتكدس المرضى الآخرون على قوائم الانتظار الطويلة نتيجة نقص الإمكانيات الطبية في القطاع، وفقًا لما ذكرته وكالة "رويترز".
وتشير السلطات الصحية إلى أن الحملة العسكرية الإسرائيلية، التي جاءت ردًا على هجوم فلسطيني بقيادة حركة حماس، أصابت ما لا يقل عن 170 ألف شخص، ودمرت العديد من المرافق الصحية، ما زاد الوضع سوءًا وأجبر السكان على العيش في مخيمات مكتظة وغير صحية، منتشرة فيها الأمراض.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن نصف مستشفيات غزة البالغ عددها 36 مستشفى تعمل جزئيًا فقط، وتعاني من نقص حاد في الأدوية والمعدات والكوادر والوقود، رغم مرور أكثر من شهر على اتفاق وقف إطلاق النار.
طواقم مستشفيات تعمل بلا توقف
في مستشفى ناصر، أكبر مستشفيات جنوب غزة، يواجه محمد حلس احتمال تأجيل جراحته أكثر، إذ يتعين على الطاقم الطبي التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى، بعد تدمير المستشفيات الأخرى. ويقول محمد صقر، رئيس قسم التمريض والمتحدث باسم المستشفى، إن الطواقم تعمل على مدار الساعة، لكنها قادرة على إجراء حوالي 100 عملية يوميًا فقط، وهو عدد ضئيل مقارنة بحجم الاحتياجات. ويضيف: "نضطر أحيانًا لتأجيل بعض الحالات غير الطارئة لإعطاء الأولوية للمرضى الذين يحتاجون إنقاذ حياتهم، ما يؤثر حتمًا على صحة الآخرين".
قرارات صعبة يفرضها الواقع
في شمال غزة، حيث الضرر أوسع والأعداد أكبر، يصف محمد أبو سلمية، رئيس مستشفى الشفاء، الوضع بأنه "حرج للغاية". ويكشف عن وجود 40 ألف عملية جراحية مؤجلة في المستشفى، مضيفًا أن اتخاذ القرار بشأن من يُجرى له العملية أولًا ومن يُؤجل أمر "مأساوي وصعب للغاية" على الأطباء. وأوضح أن تأجيل الجراحات يؤدي إلى تفاقم حالات المرضى، مثل بتر الأطراف أو تفشي أمراض السرطان.
إياد البقري، 50 عامًا، هو مثال آخر؛ أصيب بكسر في ساقه إثر انهيار مبنى في غارة جوية، لكنه ينتظر منذ ثلاثة أشهر لإجراء عملية تثبيت العظام، مضطرًا للمشي يوميًا لتأمين احتياجات عائلته، بينما تتدهور حالته الصحية تدريجيًا.
تحسن محدود بعد وقف إطلاق النار
رغم هذه الأزمة، شهد القطاع بعض التحسن بعد وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، حيث زادت عدد المستشفيات العاملة من 14 إلى 18 مستشفى، وبدأت المزيد من المساعدات الطبية والوقود تصل إلى غزة. وأطلقت منظمة الصحة العالمية برامج للتطعيم وتحسين الخدمات. ومع ذلك، تقول حكومة غزة إن ما يصل من الإمدادات لا يتجاوز 150 شاحنة يوميًا، في حين تؤكد إسرائيل أنها سمحت بدخول 600 شاحنة يوميًا وفق الاتفاق.
ويؤكد أبو سلمية استمرار نقص الأدوية، مع غياب أكثر من 60% من الأدوية الأساسية في مستشفى الشفاء، وعدم توفر أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة السينية. وأضاف أن نقص الوقود يحد من الكهرباء المتوفرة ويعرقل حركة سيارات الإسعاف، بينما نقص الكوادر الطبية بعد مقتل 1700 طبيب وممرض واعتقال 350 آخرين يزيد الضغط على القطاع الصحي، الذي يصفه أبو سلمية بأنه "في حالة انهيار تام".

