رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

تشهد حاليًا العاصمة المالية باماكو حصارًا من قبل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية لتنظيم القاعدة، والتي تتمدّد في عدد من دول منطقة الساحل والصحراء والغرب الإفريقي، وتلقّى دعمًا من دول غربية لإسقاط النظام العسكري الموالي للجانب الروسي، والمحمي من قبل "قوات الفيلق الإفريقي".

الوكلاء الجدد

الإشكالية يمكن اختصارها في التوجهات الراهنة للجماعة القاعدية المتنازعة مع ولاية تنظيم "داعش" في الغرب الإفريقي، وفي دراستها لمشروع الصعود السياسي لحركة "طالبان" في أفغانستان، وكذلك سيناريو "الجولاني" في سوريا من خلال "هيئة تحرير الشام" التي تحوّلت من ميليشيا راديكالية أصولية مسلحة إلى قوة نظامية فاعلة في الدولة السورية؛ وفق تطبيق الاستراتيجية الأمريكية المعروفة بنظرية "الميليشيات الحاكمة" أو "الوكلاء النظاميين الجدد"، الداعمين للسياسات الأمريكية والصهيونية، ضمن مشروع قديم جديد متحرك يهدف إلى التغيير من أعلى من خلال الصدام مع رأس الدولة مباشرة. وقد تطرقنا إليه وحذّرنا منه على مدار السنوات الأخيرة، وليس مستبعدًا أن تُنفَّذ تلك السيناريوهات في كل من العراق واليمن والصومال وليبيا والسودان وعدد من دول الساحل الإفريقي.  

حواضن مجتمعية

اتجهت الجماعة القاعدية إلى صناعة حواضن اجتماعية مناهضة للنظام العسكري الحاكم، وعمدت إلى عقد تحالفات واتفاقيات ملزمة لتواجدها في نطاق الإطار الشعبي عبر رفع لافتة تطبيق "الشريعة الإسلامية" — حد زعمها — ضمن الإطار السياسي لمعادلة الحكم. ما يعني أن الحركة تتجه عمليًا إلى صناعة تحوّلات فكرية رغبةً في إعادة تموضعها وانتقالها من خانة الميليشيا المسلحة إلى قوة فاعلة في مكونات الدولة الحاضنة، ما يمنحها إمكانية الجلوس على مائدة التفاوض للوصول إلى اتفاق سياسي يضعها ضمن "معادلة الحكم" سواء بالمشاركة والتقاسم السياسي أو بالانفراد بالسلطة، بجانب تفريغ الساحة من منافسيها ورفع قياداتها من تصنيفات قوائم الإرهاب التي أقرتها وزارة الخزانة الأمريكية، على غرار النموذج السوري؛ لا سيما أن التجارب السابقة في أفغانستان وسوريا مرتبطة في الأساس بمكونات تابعة لتنظيم القاعدة.

رغم أن الفكر القاعدي يرتكز على مبدأ استراتيجية "قتال العدو البعيد" المعنية باستهداف المصالح الغربية والأمريكية، فإن التحولات التي يشهدها فروع التنظيم منذ تولي سيف العدل زمام قيادة تنظيم القاعدة تتجه نحو محاولات إسقاط الأنظمة المحلية الحاكمة والهيمنة على مقاليد الحكم أو المشاركة فيه وفق صيغ تقاربية تمنح هذه التمركزات المسلحة وضعية القوة والنفوذ، والسيطرة المطلقة على الموارد الاقتصادية الرئيسية للدولة من مناجم الذهب والنفط والموارد البترولية والأحجار الثمينة وغيرها.

الحالة التمرّدية

وبالتالي، تصدير الحالة التمرّدية في دول الساحل الإفريقي ليس مستبعدًا، لا سيما أن الجماعة التي قامت على توحيد واصطفاف بنيان مجموعة من التنظيمات الإرهابية المسلحة — شملت "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وجماعة "المرابطون"، وجماعة "أنصار الدين"، وجبهة "تحرير ماسينا" — تتمدّد في عمق موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، ما يعني أن تجربة السيطرة على مقاليد الحكم يسهل تكرارها في ظل ضعف وهشاشة كيانات وحكومات هذه الدول، وتمكن الجماعة من بناء حواضن شعبية تسهّل مهمتها.

قمة الهرم السياسي

التقديرات الأخيرة التي تناولت الشأن الأفريقي أبرزت سيطرة كل من جماعة "بوكو حرام" وتنظيم "داعش" وتنظيم "القاعدة" و"حركة شباب المجاهدين" على مناطق الصحراء والساحل وحوض بحيرة تشاد والأجزاء الوسطى والشرقية من إفريقيا، في ظل ضعف الأنظمة السياسية الحاكمة وهشاشتها، ومن ثم يسهل تشكّل أنظمة سياسية جديدة قائمة على أيديولوجية دينية راديكالية في حال توافقها مع اللوبي الغربي الأمريكي.

تصعيد الميليشيات على قمة الهرم السياسي من شأنه إرباك الحلفاء والخصوم معًا، والتفرد بالساحة الإفريقية، والتحكّم في استثماراتها، لا سيما في ظل تنامي النفوذ الروسي والإيراني والصيني بقوّة في العمق الإفريقي، بجانب تبعات الصراع السياسي الدولي القائم حاليًا وبناء التحالفات الإقليمية والشرق أوسطية الجديدة.

استراتيجيات "المليشيات الحاكمة" بديل مناسب وآمن لبناء واستنساخ التنظيمات الراديكالية المسلحة من خلال تنصيب هذه الجماعات الإرهابية على رأس الدولة وصبغها بالإطار السياسي، مع سهولة قبولها شعبيًا واجتماعيًا، في ظل ضمان ولائها للتوجهات الغربية والأمريكية وبالتبعية للصهيونية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء