رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 في مشهد لم يكن متخيلا قبل سنوات قليلة، ظهر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام عدسات الكاميرات، في حديقة البيت الأبيض، في زيارة وصفت بأنها الأكثر رمزية منذ نهاية الحرب الباردة في الشرق الأوسط.

لم تكن الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي، بل إعلانا رسميا لانتهاء حقبة تجاوزت خمسين عاما من العزلة والعداء بين واشنطن ودمشق، بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رفع اسم الشرع ووزير داخليته أنس خطاب، من قوائم الإرهاب، في خطوة قالت إنها "تقدير للتقدم السياسي والإنساني الذي أحرزته القيادة السورية بعد رحيل النظام السابق".

وأكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيجوت أن القرار صادقت عليه الأمم المتحدة بدعم أمريكي، بوصفه "إشارة سياسية قوية إلى انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة".

في واشنطن، وصف القرار بأنه "رهان استراتيجي" على واقع سوري جديد؛ فالإدارة الأمريكية التي اعتمدت العزلة والعقوبات لسنوات طويلة، تعود اليوم إلى مبدأ "الانخراط الواقعي" عبر دعم الاستقرار، ومكافحة تجارة المخدرات، وضبط الحدود مع تركيا والعراق ولبنان.

اعتبرت واشنطن بوست ونيويورك تايمز الخطوة "مغامرة محسوبة" من إدارة ترامب، هدفها استعادة زمام المبادرة في الشرق الأوسط بعد سنوات من تراجع النفوذ الأمريكي لصالح موسكو وطهران وبكين.

ويرى البيت الأبيض أن انخراطه الجديد مع دمشق يمثل جزءا من رؤية أوسع لإعادة تعريف العلاقة مع المنطقة عبر شراكات أمنية واقتصادية بدل الحروب بالوكالة.

ومع ذلك، ظهرت أصوات معارضة داخل واشنطن؛ فقد وصف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي القرار بأنه "تسرع سياسي"، مطالبا بربطه بإصلاحات حقيقية في الديمقراطية وحقوق الإنسان وتقليص النفوذ الإيراني.

لكن مستشاري ترامب يرون أن دعم التحول الواقعي أولى من انتظار مثالية قد لا تتحقق، مؤكدين أن "إعادة سوريا إلى الشراكة أفضل من تركها في أحضان إيران وروسيا".

من جانبه، شدد الرئيس الشرع على أن حكومته "ستفتح الأبواب أمام تعاون متوازن مع واشنطن والمجتمع الدولي"، مضيفا أن "سوريا الجديدة لن تكون تابعا لأحد، لكنها لن تكون معزولة بعد الآن".

في أوروبا، عبرت التحليلات عن مزيج من الدهشة والحذر؛ فقد وصفت الجارديان الزيارة بأنها “رهان ترامب الأخير في الشرق الأوسط”، فيما رأت BBC أن لندن وباريس أمام واقع جديد: شريك سوري يحظى بشرعية أمريكية.

ووفقا لفايننشال تايمز، فإن هذا الانفتاح قد يمهد لموجة إعادة إعمار واسعة، ويجعل من دمشق "مركز جذب اقتصادي وسياسي"، بشرط نجاحها في تحقيق الاستقرار ومكافحة الفساد.

في المقابل، أبدت موسكو تشكيكا واضحا في نيات واشنطن، حيث وصفت صحيفة كوميرسانت الزيارة بأنها "إزاحة أمريكية متأخرة"، معتبرة أن واشنطن تحاول دخول سوريا "من الباب الدبلوماسي بعد فشلها العسكري".

أما وكالة تاس فذكرت أن موسكو "دفعت الثمن الأكبر في الحرب السورية"، وأن أي إعادة توزيع للنفوذ "لن تمر بسهولة".

أما الصين فاختارت نغمة أكثر براغماتية، فقد رأت جلوبال تايمز أن واشنطن "عادت إلى الواقعية بعد أن أدركت أن سياسة العزل لا تسقط الأنظمة بل تسقط الاستقرار"، مؤكدة أن بكين ستواصل دعمها الاقتصادي لسوريا، وأن الانفتاح الأمريكي "يفتح باب المنافسة لا الإقصاء".

إقليميا، تباينت ردود الفعل؛ ففي تركيا، حذرت الصحف المقربة من الحكومة من أن واشنطن "تعيد تأهيل دمشق" بطريقة تهدد النفوذ التركي في الشمال السوري.

أما إيران فوصفت الخطوة بأنها "محاولة لقطع الجسر الإيراني نحو المتوسط"، في حين عبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن "قلق استراتيجي" من أن أي انفتاح أمريكي على سوريا قد يحد من حرية إسرائيل في الجولان.

يلخص مشهد رفع اسم الرئيس السوري من قوائم الإرهاب ووقوفه على درج البيت الأبيض تحولا في العقيدة السياسية الأمريكية؛ فالولايات المتحدة التي اعتادت "إسقاط الأنظمة" اختارت اليوم “احتواءها وإعادة دمجها”، في إطار استراتيجية تقوم على النفوذ بلا جيوش، والتأثير بلا احتلال.

إلا أن هذا التحول يضع الشرع أمام اختبار حقيقي يتمثل في مدى قدرته على تحويل الاعتراف الدولي إلى إصلاح داخلي فعلي، وقدرته على بناء توازن بين القوى الكبرى دون التفريط بالسيادة الوطنية.

فعودة سوريا إلى المجتمع الدولي لا تعني فقط نهاية العزلة، بل أيضا بداية مواجهة أسئلة الداخل حول العدالة، والمصالحة، وإعادة الإعمار، وحقوق الأجيال التي دفعت ثمن الحرب.

هذه الزيارة ليست مجرد حدث سياسي إنها تحول في وضعية سوريا من دولة منبوذة إلى شريك تفاوضي، ومن قوائم الإرهاب إلى البيت الأبيض. تطوى صفحة وتفتح أخرى، غير واضح فيها وجهة المسار الجديد، إلا أن ما بات مؤكدا أن اللعبة الإقليمية والدولية تغيرت، وأن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء