شهد ملف غزة في الأسبوع الأول من نوفمبر 2025، تزامن ثلاثة تحركات مترابطة تحمل في طياتها دلالات عميقة وانعكاسات محتملة على مشهد الصراع في غزة.
أولها زيارة جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى إسرائيل في إطار الدفع الأمريكي بخطة السلام الجديدة وترتيبات ما بعد الحرب.
وثانيها التقارير حول إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على حدود قطاع غزة لتكون مقرًا لقوة الاستقرار الدولية المقترحة، أما ثالثها فهو استقالة وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، أحد أقرب مستشاري نتنياهو وأكثرهم تأثيراً في إدارة الحرب والاتصال بالولايات المتحدة.
هذه التحركات الثلاثة، على تباين خلفياتها، تتقاطع عند نقطة واحدة تتمثل في إعادة رسم ملامح المرحلة التالية للصراع، بما تحمله من فرص لإرساء ترتيبات أمنية جديدة.
وفي الوقت نفسه من مخاطر لتفاقم الانقسام داخل إسرائيل وتبدل أنماط التوازن الإقليمي في التعامل مع قطاع غزة.
اتسمت زيارة جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى المنطقة في مطلع نوفمبر ٢٠٢٥ بطابع عملي تترجمه محاولات تثبيت وقف إطلاق النار وبلورة ترتيبات ما بعد الصراع في غزة.
تحركاتهما تأتي بعدما أظهرت الأسابيع الأولى التي أعقبت التهدئة هشاشة ملحوظة في آليات التطبيق، وبرزت الحاجة إلى آليات مستقرة لإدارة الدخول الإنساني والتفتيش ومهام حفظ الأمن على الأرض وهو ما يفسر توافق واشنطن مع فكرة تأسيس آليات دائمة أو شبه دائمة تضمن إشرافاً دولياً مباشرًا على تنفيذ بنود التهدئة.
وبالتزامن ، برز تقرير شومريم الاسرائيلي حول نية أمريكية بإنشاء قاعدة عسكرية كبيرة على حدود قطاع غزة بميزانية بالتنسيق مع الحكومة والجيش الاسرائيلي والتي تقدر بنحو ٥٠٠ مليون دولار.
بحيث تخصص لدعم «قوة الاستقرار الدولية» واستيعاب آلاف الجنود واللوجستيات المرتبطة بعملية التطبيق والرقابة، وبالتالي لو تأكد هذا المشروع فإنه يمثل قطيعة نسبية مع نمط التدخل الأمريكي التقليدي القائم على أدوات دبلوماسية وسيطة، وينقل مستوى الانخراط السياسي والعملياتي إلى حضور ميداني ملموس على حدود القطاع.
وقد يصاحب هذا الاجراء تداعيات عدة يمكن قياسها علي عدة مستويات ، فعلي صعيد الداخل الاسرائيلي هناك مخاطر الانقسام الداخلي لاسيما أن إنشاء مثل هذه القاعدة سيقابل باحتجاجات من أوساط اليمين المتطرف داخل الائتلاف الإسرائيلي.
والذي سيُنظر إليه على أنه تقييد لحرية القرار العملياتي الإسرائيلي داخل القطاع وعرقلة لأهدافهم التوسعية ، مما قد يولّد ضغوطاً على نتنياهو من شركائه السياسيين وقد يعمّق الخلافات الائتلافية حول حدود التنسيق مع واشنطن، بالإضافة إلى ذلك لا تقتصر الانتقادات الداخلية على اليمين فحسب، بل قد تشمل أيضاً مخاوف حول تبعات طويلة الأمد لوجود عسكري أجنبي على السيادة والأمن.
في حين انه على مستوى الولايات المتحدة، يواجه مشروع القاعدة تحديات سياسية داخلية واضحة؛ فمع أن إدارة ترامب ترى في الوجود الميداني أداة لضمان تنفيذ الاتفاقات، فإن قاعدة ترامب الرئيسية "حركة ماجا" قد ترفض أي تورط عسكري خارجي أو تمدد الالتزامات العسكرية الخارجية.
خصوصاً إذا رُبط بتكاليف مالية كبيرة أو التزامات زمنية مفتوحة. هذا المشهد الداخلي الأمريكي قد يؤثر بدوره على المدى الزمني والطابع التشغيلي للقوة المقترحة.
اما من الناحية العملياتية ، قد يساهم وجود قاعدة دولية في ضبط دخول المساعدات وإعادة بناء آليات توزيعها بعيداً عن سيطرة أي طرف واحد، ما يقلل من قدرة استخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي.
لكن هذا التحوّل يثير تساؤلات حول كيفية الحفاظ على حياد الجهات الإنسانية، وتفادي تحويل العملية إلى أداة سياسية بيد قوى دولية أو محلية.
كما يظل الخطر الأمني قائماً: قواعد من هذا النوع قد تصبح أهدافاً لجهات معارضة أو متطرفة، ما يلزم خطط حماية معقّدة وتكاليف أمنية مرتفعة.
أما التحرك الثالث فهو ، استقالة رون ديرمر (١١ نوفمبر ٢٠٢٥) من منصبه كمستشار ووزير للشؤون الاستراتيجية والتي تشكل مؤشرَين متوازيين: أولاً، إنها تضعف شبكة الاستشارات المتقاربة بين نتنياهو وواشنطن.
خاصة أن ديرمر لعب دوراً مركزياً في إدارة التفاوض والتنسيق مع الوسطاء الأمريكيين؛ ثانياً، تعكس حالة من الاضطراب الداخلي في اللحظة التي تتطلب فيها الحكومة الإسرائيلية ثباتاً سياسياً لإدارة ملفات ما بعد الحرب.
وذلك بالنظر إلي أن انسحاب شخصية ذات وزن دبلوماسي سيؤدي بالضرورة إلى فترة فراغ قد تعقّد تنفيذ ترتيبات حساسة مثل إقامة قوة استقرار دولية أو تنسيق وجود أجنبي على الحدود.
أفقياً، ثمة سيناريوهان محتملان: الأول توافق إقليمي-دولي يفضي إلى إقامة منشآت لوجستية مؤقتة بشروط واضحة ومهام محددة وزمن انتهاء، مصحوبة بإشراك مصري وإقليمي وضمانات لسيادة إسرائيلية رمزية.
والثاني احتقان داخلي-إقليمي يؤدي إلى تعثر التطبيق وإمكانية تصعيد أمني أو أزمة ائتلافية داخل إسرائيل.
الخيار الأرجح سيظل إقامة آليات شفافة لاستخدام القاعدة بشكل مؤقت مع آلية رقابة متعددة الأطراف تضمن الانتقال السلس إلى إدارة مدنية إنسانية بعد بلوغ معايير الاستقرار.
ختاماً، تقف المنطقة عند مفترق حساس بين فرصة لترتيب ما بعد الصراع يؤمن دخول مساعدات واستقراراً نسبياً، ومخاطر تتحكم بها حساسية السيادة والاحتقان السياسي الداخلي في إسرائيل والولايات المتحدة والحاجة إلى ضمان شراكة إقليمية فعلية.
نجاح أي مبادرة أمريكية ميدانية في هذا السياق مرهون بقدرتها على التوازن بين فعالية التطبيق ومحدودية الوجود وبتوفير غطاء سياسي وإقليمي يخفف من فرص الاستغلال السياسي أو التصعيد الأمني.