في حدث ثقافي استثنائي انطلقت في شهر نوفمبر الجاري احتفالية كبيرة للاحتفاء بذكرى أبي شعراء العامية المصرية "فؤاد حداد" (1928: 1985م).
وصارت الاحتفالية تعم معظم مؤسسات وزارة الثقافة المصرية في كل الأقاليم المصرية.
وتلك محمدة كبيرة، صادفت توفيقًا كبيرًا من قيادات وزارة الثقافة المصرية؛ لأن "فؤاد حداد" – عند الكثير – هو المتحدث الرسمي باسم الوجدان الشعبي العربي في النصف الثاني من القرن المنصرم.
بل إن هناك من يعده: "مؤرخ الشخصية القومية المصرية" بكل مفرداتها السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية... إلخ، فهو يكتب بلغة مصرية أصيلة عن الحارة المصرية، وعن الشارع السياسي، وعن الهم العربي، وعن القضايا الإنسانية الكونية الكبرى.
فكانت ركائز مشروعه منحازة لخياراته المحورية الرئيسة: "الإنسانية"، و"العربية"، و"المصرية"، ومستخدمًا لشاعريته المتفردة، وأصالة تراكيبه اللغوية التوليدية وقدرته على النحت اللغوي، ولمفرداته اللغوية الثرية، كما انحاز للقيم الإنسانية الكبرى
وكانت قضية فلسطين نضحًا لعروبيته الفذة، وكانت الهوية المصرية على قمة تلك الانحيازات، فقد اتخذ من لغتها العامية متراسًا راسخًا في تأصيلها بمنطق قومي عروبي، وبإشراقية إسلامية إنسانية دافع عن الطبقة الكادحة – أو "الغلابة" بتعبيره – بكل القيم الاشتراكية المرتكنة لفكرة العدالة الاجتماعية.
ونظرا لإيمانه بالسمات الروحية والدينية للشخصية القومية، وللعلاقة الجذرية للمصريين مع الدين - بغض النظر عن التدين من عدمه، وكونه جذور مسيحية (أب لبناني بروتستانتي وأم سورية كاثوليكية) - قد أعلن إسلامه بالمعتقل؛ لقناعته بالإسلام إنصافًا للفقراء.
فصار يمدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) من منطلق اشتراكي بديوانه "الحضرة الزكية" الذي تحول إلى برنامج إذاعي، قائلا: (يا جموع الفقراء.. يمموا غار حراء.. سيرى هذا التراب.. بعيون لا تراب.. عسجديا مسجديا.. طأطأت فيه الحراب).
كما كان أحد أهم تجلياته في الانحياز إلى القضايا الاجتماعية من منطلق ديني ديوانه: "المسحراتي" الذي لحنه الموسيقار "سيد مكاوي" في حلقات تُذاع في شهر رمضان، التي يطرزها بمقرره الفلسفي العميق؛ في قوله:
(المشي طاب لي.. والدق على طبلي.. ناس كانوا قبلي.. قالوا في الأمثال: الرجل تدب.. مطرح ما تحب.. وأنا صنعتي مســحـراتي في البلد جوال.. حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال.. وكل شبر وحته من بلدي.. حته من كبدي.. حته من موال).
وكان من تجليات انحيازه للقضايا القومية وعلى رأسها قضية فلسطين، كتابته لقصيدة "الأرض بتتكلم عربي" بديوان "من نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة"، الذي أُذيِع في برنامج من ثلاثين حلقة يحمل الاسم ذاته، بتلحين وغناء "سيد مكاوي" عقب نكسة 1967م، وكانت مقدمة البرنامج الشهيرة:
(أول كلامي سلام.. وتزققيني الكلام.. أيام في حضنك أنام.. يا مصر يا أمنا.. وأطلع في نور الآدان.. إذا دعا الوالدان.. المدرسة والميدان.. القلب الأبيض هنا.. الإنسانية هنا.).
أما عن "المصرية"؛ فقد سافر شعره عبر أغوار الثقافة الشعبية؛ فكتب عن الحواري والفلاحين والبسطاء والمهمشين، واستخدم التفاصيل الصغيرة في التعريف بالأفكار الكبيرة راصدا الكوامن الفلسفية في التعبيرات والممارسات الشائعة بالحياة اليومية
وفي القيم والمعتقدات والفلكلور والطقوس الشعبية، وفي الأساطير والحكاوي والأمثال والفنون الشعبية والاحتفالات والمواسم نسج شعره تأريخا من التقاليد والأعراف
والتغيرات التاريخية التي طرأت على ذلك، ودلالاتها في مبحث فلسفي هوياتي في باطنه، وبمفردات عامية بسيطة في ظاهره.
وعلى سبيل المثال لا الحصر كتب قصائد بديوانه "التسالي بالمزاج والقهر" في باب "هنيا ودايما"، تدور تلك القصائد عن مفردات ثقافية شعبية تنبئ بها عناوينها، في تأريخه لبعض المشروبات المصرية الوطنية، ومنها:
"البن"، و"موال القرفة"، و"سكران الكراوية"، و"الشاي في إيد الشهيد"، و"أطيب من شراب الورد"، و"شارب من قلة قراقوش"، و"فزورة الجنزبيل"، و"المغات"، و"العطش يحلى مع المية"، و"قافية الحلبة"، وفي باب "الطاولة والشايب": قصائد "زي العادة، و"مربعات"، و"حيص بيص شيش بيش القافية درب البهلوان"، و"ضروس العقل"، و"تقاسيم زهر القانون"، و"المحبوسة"، و"الشايب"، و"الجلهار".
ومن ضمن ما عبر به عن علاقته بالوطن؛ ما تضمنته قصيدته التي يؤرخ فيها عن لعبة أوراق الكوتشينة الشعبية "الشايب"، وفي القصيدة ما ينبئ بأن خسارة الإنسان - شيئا ما -للحفاظ على كيان الوطن، إنما هي مكسب في حد ذاته، وذلك في قوله:
(لما ينور آخر نور.. في الطرقة في آخر المستشفى.. يمكن ألاقي بيلعبوا شايب.. حوالي وقاعدين ع الفرشة.. ناس أتمنى يكونوا حبايب.. آه يا خسارتي لو ما كانوش.. ما تقول ليش إن الأعداء.. مش راح يبقوا ساعتها وحوش.. عاوز ألعب ويا حبايب.. لو مغلوب أنا برضه الغالب.).
فكان "فؤاد حداد" صاحب مشروع فلسفي كبير، يتخذ من اللغة وسيلة، ومن الشعبوية منهجًا؛ لمساعدة الناس أن تكون حياتهم أفضل؛ فكان مشروعه الشعري هو "المساواة".
لكن مما يثير الدهشة، ويدعو لإعمال العقل تأمل تلك المتناقضات التي غلفت مسيرته، وقد قالوا: إنه اختار كل شيء في حياته إذ اختار الدين (الإسلام)، والبلد (المصرية)، والمذهب الاجتماعي (الماركسية)، والنسق الحضاري (الشرقي لا الغربي)، واللهجة اللغوية (الانحياز للعامية)، والطبقة الاجتماعية (انحياز دائم للفقراء)
والغاية الفلسفية (الانسانية)، فكان عروبيًا قوميًا وشيوعيًا معًا، ومسيحيًا اعتنق الإسلام، ومن جذور شامية، لكنه شغوف بالمصرية، ومن أسرة أرستقراطية، لكنه هائم بتحيز حقيقي للفقراء والبسطاء، وتكوينه الثقافي غربي بثقافة فرنسية خالصة، لكنه انحاز للشرقية العربية، وكتب بالعامية المصرية رغم امتلاكه التام للعربية الفصحى.
والسؤال المفصلي: ما التفسير لانحياز "فؤاد حداد" نحو الهوية القومية المصرية بروافدها العربية وتجلياتها الإنسانية؟ لعلها خاصية من خصائص "القوة المصرية الناعمة" التي تفردت بها مصر، ألا وهي "خاصية التمصر الناعمة".. ربما !!
و"قوة التمصر الناعمة" هي التي عبَّر عنها الشاعر العراقي "محمد مهدي الجواهري" (1899: 1997م)، في قوله: "كلُّ شيء يأتي إلى مصر يتمصر، حتى الطبيعة عندها تتمصر"، وقد قالها من قبل شعرًا:
(لله جوك أي مبعث فتنة.. حتى الطبيعة عنده تتمصر).
كما لم تتجاوز الفكرة ما قرَّره الجغرافي "جمال حمدان" (1928: 1993م)، بقوله: "كانت تتمتع مصر بقوة امتصاص نادرة وحيوية بيولوجية تبتلع وتهضم بها معظم العناصر الوافدة، حتى تعهدها كأنها البوتقة في الجسم الكبير"، وكذلك ما قرَّر المفكر الكبير "محمد العزب موسى" (1936: 1993م):
"وكان الشعب المصري عبر تاريخه يتمتع دائمًا بقدرة مذهلة على تمصير الوافدين، وطبعهم بطابعه، فلا تناقض بين الأصالة والتجديد، بل إن أصالة مصر وقدمها هما أساس، وخلفية تجددها وتطورها".
وفي ذلك يقول الأديب "جمال الغيطاني" (1945: 2015م): "لم تصبح مصر فارسية أو رومانية، أو عربية، بل طوَّعت الفرس، والرومان، والعرب، فأصبح جميع هؤلاء مصريين، ذابوا في المجتمع المصري، وانصهرت ثقافتهم في الثقافة المصرية
فأصبحت ثقافتهم تشكِّل عناصر من الثقافة المصرية، ولم تصبح الثقافة مصبوغةً بالثقافات الواردة، بل إن الثقافة المصرية طوَّعت كثيرًا من هذه العناصر الوافدة لظروفها وعناصرها"، كما تكلَّم كثيرون عن قوة التمصر، ومنهم: الأديب "محمد حسين هيكل" (1888: 1956م)، والمفكر العربي "أنيس صايغ" (1931: 2009م).
ما سبق يبرر عند البعض نقد مفهوم شعار "مصر أولًا" المنحاز بتعديله - من وجهة نظرهم - إلى مفهوم "مصر دائمًا"؛ استنادًا إلى تواجد مصر الدائم بقوتها وعمقها في التاريخ حتى لو محتلة.
وهو المفهوم الذي أصلته كلمات "فؤاد حداد" في ديوانه "كلمة مصر" التي لحنها وصدح بها "سيد مكاوي"؛ وهي في أصلها تناجي فكرة فلسفية وجودية تقول: إن (مصر دائمًا) بدل من (مصر أولًا)، وفيها يقول:
(يا دعاء المؤمنين.. فجر بينور سنين.. يا أحن من الحنين.. مصر دايما مصر..
أم كل الإنسانية.. تقسم اللقمة الهنية.. العمل والرزق نية.. مصر دايما مصر).
ولله در "فؤاد حداد"، في قوله عن نفسه:
(أنا الأديب وأبو الأدبا.. اسمي بإذن الله خالد.. وشعري مفرود الرقبة.. زي الألف..
ورقم واحد.. والساعة 6 في العتبة.).