تراقب إيران بحذر الخطوات الأمريكية الهادفة إلى استئناف اتفاقات أبراهام بانضمام كازاخستان، بعد أن عطلتها حرب غزة، ليعود مشروع "آيمِك" إلى قلب الأوراق السياسية المطروحة على طاولة صانع القرار.
فإيران ترى في تنفيذ مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي (IMEC) تقدّمًا عمليًا في مسار الاعتراف السياسي والاقتصادي بإسرائيل من قِبل بعض الدول العربية في المنطقة
علاوة على أنه جزء من محاولة واشنطن لإعادة ترميم شبكة تحالفاتها في غرب آسيا بعد التراجعات الأخيرة وإعادة تموضع روسيا إيران؛ لذلك يجب قراءة المشروع كأداة لإعادة رسم هندسة النفوذ الأمريكي في المنطقة، لا كمبادرة اقتصادية محضة.
ويبدو أن اتفاقات أبراهام، التي تأسست خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية والإسلامية وإسرائيل، لا تقتصر على البعد السياسي والدبلوماسي فحسب، بل تشمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية متعددة.
فهذه الاتفاقات، التي دفعت الإدارة الأمريكية ثمنها عبر تصدرها واجهة النزاع بين إسرائيل وحماس، لم تكن فقط من أجل سلامة سكان غزة أو وقف نزيف الدم، بل ايضا استغلال الظرف الراهن لاستئناف مبادرات جديدة من شأنها تغيير المعادلات الجيوسياسية والاقتصادية في غرب آسيا
بما يخدم إسرائيل خاصة أن مشروع الممر الاقتصادي "آيمِك" أحد المبادرات المطروحة في إطار اتفاقات أبراهام.
هذا المشروع ليس مجرد خط سكة حديد أو ممر لنقل البضائع، بل يشمل أيضًا بنية تحتية متكاملة للنقل والطاقة (مثل إنتاج ونقل الهيدروجين الأخضر)، إضافة إلى كابلات الألياف البصرية والاتصالات الرقمية.
ومن هنا، تزايد الحديث في الآونة الأخيرة عن أهمية تنفيذ هذا المشروع الذي يخدم أربعة أهداف محورية في إطار المصالح الأمريكية والإسرائيلية:
أولًا- سيؤدي تنفيذ مشروع "آيمِك" إلى تقليل الأهمية الاستراتيجية لكل من مضيق هرمز. فمضيق هرمز، الخاضع للرقابة الإيرانية، يُعد من أهم أوراق القوة الجغرافية لإيران، لكن نجاح المشروع سيُضعف هذه الورقة، ويحد من الوزن الجيوسياسي لطهران، في حين يمنح إسرائيل مساحة جديدة لتوسيع نفوذها وضرب المصالح الإيرانية الإقليمية.
ثانيًا- تنفيذ المشروع يعني فعليًا تقدّمًا في الاعتراف السياسي والاقتصادي بإسرائيل من جانب بعض الدول العربية، إذ إن التشابك الاقتصادي المتبادل يخلق علاقات اعتماد متبادل تمهد لتطبيع أعمق وأوسع، وهو ما تسعى إليه واشنطن وتل أبيب من خلال مشروع "آيمِك" في محاولة لتحسين صورة إسرائيل على الساحة الدولية بعد جرائمها في غزّة.
ثالثًا- ترى الولايات المتحدة أنها في صراع استراتيجي مع القوى العالمية الصاعدة، وتسعى عبر هذا الصراع إلى إضعاف منافسيها والحفاظ على هيمنتها الدولية. كما، يُنظر إلى مشروع "آيمِك" باعتباره جزءًا من المواجهة الاقتصادية والاستراتيجية مع إيران، بهدف الحد من نفوذها وتحويلها إلى لاعب هامشي في معادلات غرب آسيا الكبرى.
رابعًا- يهدف المشروع إلى إنهاء عزلة إسرائيل وتحسين وضعها الدولي المتدهور، إذ تواجه عزلة سياسية وشعبية متزايدة في المنطقة والعالم، وتحتاج إلى مبادرات جديدة لتغيير واقعها الميداني وخلق فرص لصالحها، وهو ما يمكن أن يتحقق عبر تنفيذ مشروع "آيمِك".
ومع ذلك، تشير الوقائع إلى وجود عقبات ميدانية عديدة أمام تنفيذ المشروع.
أبرزها طبيعة العلاقة بين السعودية وإسرائيل، إذ لم تُطبع الرياض رسميًا مع تل أبيب بعد، ما يُعد عائقًا رئيسيًا أمام تنفيذ الجزء الشمالي من الممر.
أما الأردن، الذي يُفترض أن تمر عبره السكك الحديدية أو الطرق البرية، فليس عضوًا رسميًا في مذكرة التفاهم حتى الآن. لذا، فإن تنفيذ المشروع لا يتوقف على الجوانب الفنية فحسب، بل على مدى الجاهزية السياسية الإقليمية.
علاوة على ذلك، تؤكد التقارير أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية المطلوبة لم يُنجز بعد.
فهناك عجز تمويلي يُقدر بنحو 5 مليارات دولار لبدء المرحلة الأولى، ما يعني أن المشروع لا يزال في مرحلة التخطيط وليس التنفيذ الكامل، في حين أن الموانئ والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية الأساسية لا تزال قيد الإعداد أو البناء.
ومن بين الحقائق غير المعلنة، الدور المحوري لإسرائيل، ولا سيما ميناء حيفا الذي يُعد نقطة الوصل الأساسية مع أوروبا.
ما يشير إلى أن إدماج إسرائيل اقتصاديًا ولوجستيًا في هذا الممرّ الدولي ليس خطوة اقتصادية فحسب، بل وسيلة لتعزيز مكانتها الإقليمية.
في المقابل، يُنظر إلى المشروع كأداة لتقليص الوزن الاستراتيجي لإيران عبر تجاوز مجال سيطرتها عند مضيق هرمز، حتى وإن لم يُذكر ذلك صراحة في الوثائق الرسمية.
كما يُنظر إلى المشروع بوصفه ردا غير مباشر على مبادرة الحزام والطريق الصينية.
لكن ما يُقال أقل هو أن العديد من الدول الإقليمية، مثل السعودية والإمارات، لا ترغب في مواجهة الصين أو الانحياز الكامل إلى المعسكر الأمريكي الهندي، بل تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين واشنطن ونيودلهي وبكين.
خاتمة:
يمكن القول إن مشروع آيمِك يمثل فرصة استراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة، لكنه في الوقت ذاته يخلق تحديات كبيرة للدول الإقليمية، وخاصة إيران.
بالنسبة لطهران، يُعد المشروع تهديدًا مباشرًا لاستراتيجية الممرات البحرية واللوجستية التي تتحكم بها، وقد يؤدي إلى تقليص نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في الخليج ومضيق هرمز.
أما الدول الخليجية المقترح انضمامها مستقبلا لهذا المشروع، فستواجه تحديًا مزدوجًا، وهو الاستفادة من الفوائد الاقتصادية للممر، مع إدارة المخاطر السياسية والشعبية المترتبة على الارتباط المباشر بإسرائيل
خصوصًا إذا استمرت الانتهاكات الإسرائيلية على قطاع غزة مما يمثل عقبة حقيقية أمام تنفيذ مشروع "آيمِك".