رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الذهب السوداني.. المورد القومي بين الفرصة والخطر

الذهب في السودان
الذهب في السودان

بين دخان الحرب وانهيار القطاعات الإنتاجية في السودان، يلمع الذهب كمورد قومي أخير يحاول إنقاذ الاقتصاد المتدهور، لكن هذا الكنز يتوارى خلفه واقع معقد من التهريب، وضعف الحوكمة، وفجوة كبيرة بين الإنتاج والتصدير، الأمر الذي جعل ثروة السودان النفيسة تتحول إلى معركة جديدة في اقتصاد أنهكته الصراعات.

وفي ظل تراجع إيرادات الإنتاج وتدهور سعر صرف الجنيه، يجد السودان نفسه أمام رهان صعب كيف يمكن تحويل الذهب من مورد منهوب إلى طوق نجاة اقتصادي؟ فإما أن يدار بعقل اقتصادي ومؤسسي يعيد الثقة في السوق المحلية، أو يستمر نزيف التهريب ليتحول “كنز السودان” إلى عبء يضاعف أزماته.

فبينما ارتفعت معدلات التهريب وقلت السيطرة الحكومية على مناطق الإنتاج، يسعى الخبراء إلى وضع خريطة طريق تعيد تنظيم هذا القطاع الذي أصبح يشكل نصف صادرات البلاد تقريبًا.

خبير الاقتصاد الدكتور عبد الرحمن طه، قال إنه على الرغم من أن السودان أصبح يملك واحدة من أكبر احتياطيات وإنتاجات الذهب في أفريقيا، فإنه لم يتمكن من تحويل هذه الثروة إلى مصدر استقرار اقتصادي حقيقي بسبب ضعف الحوكمة، وتهريب الإنتاج، وغياب المنظومة المؤسسية المتكاملة لإدارة القطاع.

وأضاف طه في تصريحات خاصة لـ “إيجبتك”، أن إجمالي إنتاج السودان من الذهب في عام 2024 بلغ نحو 64.36 طنًا، يأتي 83% منها من التعدين الأهلي التقليدي، لتحتل البلاد بذلك المرتبة الثالثة إفريقيًا بعد غانا وجنوب إفريقيا بنسبة تقترب من 6% من إنتاج القارة و1.8% من الإنتاج العالمي، وفقًا لبيانات المؤسسات الإحصائية الدولية.

الذهب أصبح العمود الفقري للاقتصاد السوداني

وتابع أن الذهب أصبح العمود الفقري للاقتصاد السوداني، إذ يشكل قرابة نصف إجمالي الصادرات الرسمية، لافتًا إلى أن تقديرات غير رسمية تظهر أن كميات ضخمة من الذهب يتم تهريبها خارج القنوات الشرعية، حيث يعتقد أن أكثر من 100 كجم يوميًا يتم تهريبها إلى الخارج بإجمالي يتجاوز 60 طنًا منذ اندلاع الحرب في 2023، مؤكدًا أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التهريب تقدر بنحو 7 مليارات دولار سنويًا، فضلًا عن فجوة تراكمية بين الإنتاج والتصدير الرسمي تصل إلى 468 طنًا خلال الفترة من 2012 إلى 2024.

وأوضح خبير الاقتصاد أن هذا النزيف المستمر من المعدن الأصفر يفقد الدولة قدرتها على بناء احتياطي نقدي قوي، ويعمل على عدم استقرار سعر الصرف، مشددًا على أن تسعير الذهب داخل السودان يتم أحيانًا بأسعار تقل عن السوق العالمية بـ10 إلى 15%، وهو ما يشجع على تهريبه للاستفادة من فارق السعر في الخارج.

السودان يمكن أن يحقق إيرادات سنوية تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار إذا تم الحد من التهريب

وأشار إلى أن السودان يمكن أن يحقق إيرادات سنوية تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار إذا تم الحد من التهريب ودمج التعدين الأهلي ضمن القنوات الرسمية، خصوصًا أن كل طن من الذهبيتم بيعه بسعر يقارب 78 مليون دولار وفق متوسط سعر الأوقية العالمي الذي تجاوز 2,400 دولار خلال النصف الثاني من 2025، مضيفًا أن رفع كفاءة التعدين التقليدي (الذي لا يستخرج سوى 30% من الذهب الكامن في الخام) يمكن أن يضاعف العائد دون الحاجة إلى توسع مفرط في عمليات التنقيب الجديدة.

الذهب قادر على تعويض تراجع القطاعات الإنتاجية الأخرى مؤقتًا

وأكد طه أن الذهب قادر على تعويض تراجع القطاعات الإنتاجية الأخرى مؤقتًا، خاصة الزراعة والصناعة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عنها، موضحًا أن الاعتماد الأحادي على سلعة واحدة في ظل اضطرابات سياسية وأمنية يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، تمامًا كما حدث في تجارب مشابهة لدول نفطية أو معدنية في إفريقيا.

ولفت إلى أن توظيف عائدات الذهب يتطلب إصلاحًا هيكليًا شفافًا يبدأ بإنشاء حساب مركزي موحد لإيرادات الذهب يخضع للرقابة المباشرة من وزارة المالية والبنك المركزي، بحيث تورد إليه كل العوائد الدولارية، ثم تدار من خلال  مزادات دورية علنية لبيع الذهب للبنوك والمستوردين مقابل عملة أجنبية.

وفي نهاية حديثة دعا خبير الاقتصاد الدكتور عبد الرحمن طه إلى تخصيص نسبة لا تقل عن 40% من العائدات لتغطية واردات استراتيجية مثل الوقود والقمح والدواء، ما يحدّ من الضغوط التضخمية ويحافظ على استقرار الجنيه.

وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر حسين، أن قطاع الذهب بات يشكل الركيزة الأهم في بنية الاقتصاد السوداني، موضحًا أن الخرطوم تراهن على هذا القطاع الحيوي لتعويض التراجع الحاد في الإيرادات في ظل استمرار الحرب.

وأوضح حسين في تصريحات لـ “إيجبتك” أن هناك خطة لرفع إنتاج الذهب في السودان إلى 80 طنًا خلال عام 2025، مضيفًا أن البلاد تمتلك احتياطيات ضخمة تتجاوز 500 طن مؤكدة وأكثر من 1100 طن غير مؤكدة، ما يضعها في المرتبة الثالثة عشرة عالميًا من حيث حجم احتياطيات الذهب.

الذهب يسهم بنحو ملياري دولار سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي

وأشار إلى أن الذهب يسهم بنحو ملياري دولار سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي، ويعد من أهم الصادرات غير النفطية في البلاد، مؤكدًا أن نصف الكمية المنتجة في 2024 تم تصديرها عبر القنوات الرسمية، بينما فقد نحو ثلث الإنتاج بسبب التهريب، خصوصًا في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن نحو أربعة ملايين سوداني يعملون في أنشطة استخراج وتجارة الذهب عبر 14 ولاية، إلا أن الحرب أدت إلى تراجع النشاط ليقتصر على 7 ولايات فقط تحت السيطرة الحكومية.

الذهب أصبح يمثل طوق النجاة للاقتصاد السوداني

وتابع أن الذهب أصبح يمثل طوق النجاة للاقتصاد السوداني في ظل تدهور سعر صرف الجنيه وتراجع الإيرادات العامة، مشددًا على أهمية ضبط عمليات التهريب وتفعيل القوانين التنظيمية، بجانب إلزام المصدرين بإيداع حصيلة الصادرات في البنوك السودانية لضمان استقرار السوق وتعافي العملة المحلية.

كما لفت إلى أن ارتفاع أسعار الذهب عالميًا يشكل فرصة لتعزيز الإيرادات، إلا أنه دعا إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وعدم الاكتفاء بالذهب كمصدر وحيد للنقد الأجنبي.

وعن السيناريوهات المحتملة لدور الذهب في إعادة بناء الاقتصاد السوداني خلال السنوات المقبلة قال خبير الاقتصاد الدكتور ياسر حسين إن  الحكومة السودانية لابد أن تعمل على جذب استثمارات أجنبية عادلة في قطاع التعدين، من خلال إنشاء بورصة وطنية للذهب ونافذة تصدير شفافة، مؤكدًا أن مشاركة البنك المركزي في شراء الذهب وزيادة احتياطياته ستسهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد السوداني ودعم استقراره النقدي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء