رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جولة ترامب الآسيوية: هدنة مؤقتة في حرب المعادن الحرجة بين واشنطن وبكين

دونالد ترامب
دونالد ترامب

كشفت إيفا بوريجويرو أستاذة العلوم السياسية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، والمتخصصة في جنوب آسيا، أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة جاءت لاستكشاف الولاءات بعد فرض الرسوم الجمركية، وفي الوقت نفسه، لخفض حدة التوتر في النزاع التجاري المحتدم مع الصين، وحقق ترامب صفقات اقتصادية كبرى، لكن اللقاء الأبرز كان مع شي جين بينج، إذ تم التوصل إلى "تفاهم" يمنح الجانبين وقتًا لالتقاط الأنفاس في صراع السيطرة على سلاسل الإمداد.

وأكدت  بوريجويرو في مقالها بصحيفة “البايس” الإسبانية، أن الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي شملت ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، شكلت أبرز تحرك اقتصادي له منذ عودته إلى البيت الأبيض. 

كانت هذه الجولة تهدف إلى تحقيق هدفين متوازيين؛ استطلاع ولاء الحلفاء بعد أن فرضت إدارته بصمتها الجمركية، وتخفيف التوتر المتصاعد في الخلاف التجاري المرير مع بكين، الذي تحول إلى تصعيد متقلب تخللته فيتو وتنازلات ورسائل غامضة بين ترامب الانفعالي وشي جين بينج الكتوم.

حصاد ترامب: صفقات مليارية في الشرق الأقصى

 

عاد ترامب حاملًا ما وصفه بـ"حصاد النجاحات"، مؤكدًا مجددًا قدرته على "تحصيل الثمن" على المستوى الدُّوَليّ، حيث  أبرمت صفقات ضخمة، منها شراء أكثر من مئة طائرة بوينج لشركة "الخطوط الجوية الكورية".

بينما جاءت اليابان التي كانت وافقت في سبتمبر على استثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة، التزمت بشراء كميات من فول الصويا والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب أسطول من شاحنات فورد ستجوب شوارع طوكيو، ويُعد دخول مركبات أمريكية إلى بلد عمالقة السيارات الآسيوية "اختراقًا تجاريًا يتجاوز الاتفاق المعتاد".

 بينما وافقت فيتنام، على منح وصول تفضيلي للمنتجات الصناعية والزراعية الأمريكية، دون تخفيض حصتها الجمركية البالغة 20%، لكنها ستلغي ضرائب محددة سيتم تحديدها لاحقًا.

كما وقّعت كل من ماليزيا وتايلاند وكمبوديا اتفاقية مشتركة مع الولايات المتحدة لاستخراج ومعالجة المعادن الحرجة.

المعادن الحرجة
المعادن الحرجة

 قمة بوسان: هدنة في حرب المعادن النادرة

 

كانت اللحظة الأكثر أهمية في الجولة هي الاجتماع الذي عقد في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية بين الرئيس ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج، وأعلن الطرفان عن "تفاهم" مؤقت، إذ وافقت الصين على استئناف شراء فول الصويا، والحد من تصدير مكونات الفنتانيل (المخدر الذي يعصف بالولايات المتحدة)، وتعليق القيود المفروضة في أكتوبر على تصدير المعادن والمكونات المغناطيسية النادرة لمدة عام واحد.

في المقابل، لن تفرض واشنطن الرسوم الجمركية البالغة 100%، التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 1 نوفمبر، وستخفض الرسوم الحالية بنسبة 10%، إضافة إلى ذلك، لعب ترامب بدور "الوسيط" في اتفاق مصالحة بين كمبوديا وتايلاند – وهي لفتة قد تعزز حظوظه في الترشح لجائزة نوبل للسلام – رغم أن هذا الاتفاق يواجه خطر التبخر لعدم الاتفاق على نِقَاط محورية مثل ترسيم الحدود.

 

 إنجاز بكين: احتكار السيطرة على المواد الخام

 

بالنسبة لبكين، كان الإنجاز الأكبر هو تأكيد نجاح استراتيجيتها طويلة الأمد، فقد جهزت الصين نفسها على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية بشكل منهجي لهذا الصراع، إذ ضمنت السيطرة الاحتكارية على استخراج ومعالجة المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد حيوية للصناعات التكنولوجية الأكثر تقدمًا.

تمتلك الصين اليوم "المفتاح الرئيسي" لسلسلة الإمداد العالمية في هذا المجال، وقد استغلت الفراغات التي تركتها القوى الأخرى في تشكيل شبكات التوريد.

 

 خطأ التخطيط الأمريكي

 

ركزت الولايات المتحدة استثماراتها على التفوق التكنولوجي غير المادي، مثل الابتكار، والبحث العلمي المتقدم، وأشباه الموصلات، ومع ذلك، ارتكبت خطًا فادحًا في إهمال الجانب المادي الذي يدعم هذه التكنولوجيا، أي المكونات اللازمة لتصنيعها.

هذه الفجوة في التخطيط أدّت إلى عولمة برأسين، حيث تسيطر القوة العالمية الأولى على تصميم وتصنيع الرقائق المتقدمة، بينما تمتلك القوة الاقتصادية الثانية الموارد المادية التي لا غنى عنها لإنتاجها، لقد تحوّل الاعتماد المتبادل، الذي كان يُحتفى به كضمان للاستقرار، إلى سلاح يُشهَر في وجه الطرف الآخر.

ترامب وشي شينج بينج
ترامب وشي شينج بينج

 حرب الرقائق.. ارتد سلاح ترامب إلى صدره

 

عندما بدأ ترامب الحرب التجارية، افترض أن التفوق الأساسي للولايات المتحدة سيسمح له بفرض عزلة على بكين، وفي سبتمبر، فعّل "قاعدة المنتج الأجنبي المباشر" (Foreign Direct Product Rule) القوية، التي حدّت من الوصول إلى أحدث التقنيات.

جاء الرد الصيني سريعًا، حيث أصدرت بكين ضوابطها الخاصة على تصدير الأتربة النادرة، محاكيةً التشريع الأمريكي، لم يقاوم شي جين بينج الضغط فحسب، بل أظهر قدرته الخاصة على الضغط. وفي حين كشفت قرارات ترامب عن القوة الهائلة للولايات المتحدة، فإن "استعراض القوة" مع الصين لم ينجح، بل ارتدّ ضد المصالح الأمريكية، مما أجبر واشنطن على التراجع وإعادة التفكير في نهجها.

وتستجيب الإدارة الأمريكية حاليًا بمليارات الدولارات من الاستثمارات لتشجيع صناعة المعادن الحرجة وبناء سلاسل إمداد منفصلة عن الصين، وفي هذا الجهد، يعد التعاون مع حلفاء مثل أستراليا وماليزيا (التي توفر 13% من الطلب العالمي ولديها واحدة من محطات المعالجة القليلة خارج الصين) أمرًا لا غنى عنه.

 

 تساؤلات حول رؤية ترامب للمستقبل

 

يبقى الغموض يكتنف رؤية ترامب طويلة المدى لآسيا، هل يرى أن احتواء أمريكا للصين في المنطقة يُعيق مشروعه "لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، أم أنه يعززه؟

في الوقت الحالي، ستسمح الهدنة مع الصين للطرفين بكسب الوقت والمساحة لتقليل اعتمادهما المتبادل في المسائل الحاسمة، فقد أظهر شي جين بينج أن لديه قدرة على الضغط ومستعد لاستخدامها دون ترهيب، بينما لا يوفر نهج ترامب المتقلب ضمانات للاستقرار في المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء