رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من ضجيج المدينة تولد القصص.. كيف شكّلت المقاهي وعي الأدباء العرب؟

مقهى شعبي
مقهى شعبي

على خيوط دخان النراجيل تتراقص رائحة القهوة في سيمفونيةٍ فريدة تتنفسها المقاهي فتغدو كراسيها جزءًا من مسارح الحياة اليومية، وتصير جدرانها الذاخرة بصور الفنانين وطنًا يحتضن أفكار المبدعين الذين وجدوا فيها ملاذًا صغيرًا يستلهم روحَ المدينة وسط ضجيج الباعة المتجولين ونغمات الطرب الأصيل.

من مجالس الوشاة إلى منابر الفكر

منذ زمنٍ بعيد، لم تكن المقاهي كما نعرفها اليوم، في الفترة الاستعمارية، كانت عبارة عن مجالس غامضة يتسلل إليها الوشاة وأعين الإنجليز لتبادل الأخبار عن الحركة الوطنية، وأسرار القوى العربية الصاعدة، لكنّ هذا المكان ذاته، الذي كان شاهدًا على الخوف والحذر، تحوّل في العقود التالية إلى منبرٍ للكتابة، ومتنفسٍ لحرية الفكر، فأصبح المقهى العربي مرآةً لتحولات المجتمع، وبيتًا للأدباء الذين جعلوا منه امتدادًا لدفاترهم، ومختبرًا لأفكارهم، ومسرحًا لتأملاتهم.

مع ستينيات القرن الماضي، صار المقهى مزارًا للكتّاب العرب، يتباهون فيه بمؤلفاتهم ويتبادلون النقاشات السياسية والثقافية، يقرؤون الجرائد المتراكمة على الطاولات الخشبية القديمة، ويبحثون في صخب الناس عن لحظة صفاء تولد منها قصة جديدة أو قصيدة، شيئًا فشيئًا، تحوّل المقهى من محطة عابرة في يوم الكاتب إلى وطنٍ دائم يهرب إليه كلما ضاقت جدران المنزل، فالضجيج الخارجي كان يوازي الهدوء الداخلي، يمنح حرية التفكير، ويكسر مكبوتات المجتمع، ويتيح للكاتب أن يعيش وسط الناس الذين يكتب عنهم.

ضجيج يلد الهدوء

يقول الكاتب مصطفى عبدالله، رئيس تحرير مجلة أخبار الأدب السابق، في حديثه لـ«إيجيبتك»، إن المقاهي كانت مناجمًا للإلهام الأدبي، يستخرج منها المبدعون كنوز عقولهم ومكنونات شخصياتهم، ففي منطقة خان الخليلي، يروي عبدالله كيف استوحى كثيرٌ من الكتّاب شخصية «المجذوب» من المقاهي التي كانت تزدحم بالحكايات والوجوه الغريبة، أما مقهى الفيشاوي، الأشهر في الحسين، فقد اجتذب الشعراء المتأثرين بالثقافة الشعبية، وعلى رأسهم الشاعر محمد أبو دومة، الذي التقط من مشاهد الباعة والبسطاء شرارة الإبداع فخرجت قصائده مفعمةً بالصدق والعفوية.

«اصطحبت شعراء كبارًا مثل اللبناني أدونيس والعماني سيف الرحبي في جولاتٍ عبر الحسين والجمالية، حيث لمسوا جميعًا دفء المكان وسحر التفاصيل الصغيرة»، يضيف عبدالله بينما يتذكر مبتسمًا كيف أنه نفسه تأثر بزحام المقاهي، فأحبّه حتى صار جزءًا من لغته، يكتب من ضجيجه ويستمدّ من صخبه هدوءه الداخلي.

في تلك المقاهي، كما يصفها الأدباء، تُصنع الفكرة مثلما تُغلى القهوة على مهل، فهي أماكن تصنع الفرح وتخلق حالة من التوجس والانتظار؛ ما بين أنسٍ بالأصدقاء ووحشةٍ في غيابهم يتحرك القلم فوق دفّتي دفترٍ أبيض، منطلقًا في تدوين الكلمات الأولى وتسجيل الأصوات التي تسبق ولادة القصيدة.

مقهى
مقهى

نجيب محفوظ.. ذاكرة المقاهي وصاحبها الأبدي

لعلّ أكثر من عبّر عن سحر المقاهي هو الأديب نجيب محفوظ، الذي ارتبط اسمه بالمكان كما ارتبط بالحارة المصرية، يقول محفوظ في إحدى اللقاءات الصحفية متذكّرًا: «بخلاف قهوة قشتمر وعرابي والفيشاوي التي كنت أرتادها لملاقاة الأصدقاء، كانت هناك القهاوي التي أذهب إليها لألتقي الكتّاب والمثقفين، فكان أول منتدى أدبي لي هو كازينو الأوبرا، ثم جاءت قهوة ريش، ثم علي بابا، وأخيرًا كازينو قصر النيل، الذي ظللت أذهب إليه حتى الحادثة التي منعتني عنه». بهذه الكلمات، اختصر صاحب نوبل علاقةً طويلة بين المقاهي والإبداع، علاقةً نسجت ملامح الأدب المصري الحديث، ولم يقطعها إلا محاولة اغتياله.

تتنوع المقاهي كما تتنوع القصص التي وُلدت على طاولاتها، فهناك مقاهي العابرين المنتشرة في ميادين القاهرة، يجلس عليها من ينتظر موعدًا أو يستريح بين مشوارين، وهناك المقاهي الشعبية في قلب الأحياء القديمة، التي يجتمع فيها أهل المنطقة يوميًا جيلاً بعد جيل، يتبادلون الأحاديث كما يتبادلون أكواب الشاي، أما النوع الثالث، فهو مقاهي المثقفين التي تصنع الذاكرة الثقافية، وتربط بين الكاتب والقارئ، بين الحلم والواقع.

تأثير المقهى في عيون علم الاجتماع

الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، يقول إن للمقاهي تأثيرًا عميقًا يتجاوز حدود المشاريب وأحاديث العابرين، إذ يرى أن حضور الإنسان لمثل هذه الأماكن يفتح أمامه آفاقًا نفسية وعاطفية وسلوكية متشابكة، فالمقهى، بحسب وصفه، يخلق لدى الزائر مزيجًا من الإحساس بالتواضع والرهبة، وهو شعورٌ نفسيٌّ نادر يمنحه منظورًا أوسع للحياة ويقلل من وطأة القلق اليومي، أما على المستوى العاطفي، فإن المكان يثير في النفس مشاعر متباينة من الحنين إلى الماضي، أو الحزن العميق، أو الهروب من العزلة أو حتى الإلهام الخالص. 

ويضيف صادق في حديثه لـ«إيجيبتك» أن هذا التأثير لا يتوقف عند المشاعر، بل يمتد إلى السلوك؛ فقد يدفع المقهى مرتاديه إلى التعلم، أو خوض تجارب جديدة، وربما إلى اتخاذ قرارات تغيّر مسار حياتهم، كترك وظيفة مكتبية بعد زيارة مقهى أثري، أو اقتناء مجسم صغير لمعلم شهير كالأهرامات أو برج إيفل، كتذكارٍ لما تركه المكان من أثر في النفس.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء