يعتبر إنشاء مركز بحثي متخصص في دراسة الجريمة خطوة استراتيجية لأي دولة تسعى إلى بناء سياسات أمنية واجتماعية سليمة.
وتزداد أهمية هذا الدور في دولة كبيرة تتنوع فيها التركيبة السكانية مثل مصر، فوجود مؤسسة علمية تتولى تحليل أنماط الجريمة، ورصد تحولاتها، وفهم دوافعها الاجتماعية والاقتصادية.
يعني أن الدولة تعتمد على المعرفة لا على الانطباعات في إدارة ملف من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الأمن والتنمية والاستقرار المجتمعي.
كما أن وجود مركز وطني متخصص يمنح صانع القرار قاعدة بيانات دقيقة، وتحليلات علمية محايدة، ودراسات قادرة على استشراف المستقبل في ظل انتشار الجرائم المستحدثة والتطور التكنولوجي فيصبح البحث العلمي أحد أدوات الدولة في تعزيز الأمن المجتمعي، وحماية الفئات الضعيفة، ودعم استقرار المجتمع المصري على أسس علمية واضحة.
لهذا يعد المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أحد أهم المؤسسات البحثية في مصر والعالم العربي، بما يحمله من تاريخ يمتد لأكثر من سبعة عقود، ودور محوري في تحليل الظواهر الاجتماعية والجنائية وصياغة سياسات قائمة على الأدلة.
تأسس المركز عام 1955 كمعهد للبحوث الجنائية، ثم أعيد تنظيمه عام 1959 ليحمل اسمه الحالي وفق القانون رقم 221، قبل أن يصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرار جمهوري عام 1969 باعتباره هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة تتبع حالياً وزارة التضامن الاجتماعي.
هذا التطور المؤسسي عزز من قدرته على أداء رسالته العلمية، وجعله شريكاً أساسياً في تطوير فهم الدولة للتحديات الاجتماعية المتغيرة.
يرتكز عمل المركز على هدف رئيسي يتمثل في النهوض بالبحوث العلمية المتعلقة ببنية المجتمع المصري ومشكلاته المعاصرة، بما يعين صانع القرار على بناء سياسات اجتماعية رشيدة تستند إلى المعرفة والتحليل الدقيق.
ولهذا الغرض يعمل المركز من خلال أربع شعب بحثية متخصصة تمثل خريطة شاملة لواقع المجتمع وقضاياه وهى " شعبة المجتمعات والفئات الاجتماعية و شعبة بحوث مؤسسات وقوى التنمية الاجتماعية و شعبة بحوث الجريمة والسياسة الجنائية وشعبة البحوث الكيميائية والبيولوجية للمشكلات الاجتماعية.
تغطي هذه الشعب طيفاً واسعاً من الموضوعات، من المجتمعات الريفية والصحراوية إلى قضايا الحضر والمدن الجديدة، ومن بحوث السكان والفئات الاجتماعية إلى التعليم والعمل والرأي العام.
كما يتناول المركز بعمق ظواهر الجريمة وسُبل المعاملة الجنائية، إضافة إلى البرامج العلمية المتقدمة في كشف الجريمة، وبحوث المخدرات، ودراسة التحديات البيئية المرتبطة بالمشكلات الاجتماعية.
وتتكامل هذه التخصصات عبر منظومة من الدراسات، الدورات التدريبية، وإصدار التقارير العلمية وتبادل البيانات مع الجهات المحلية والدولية، فضلاً عن تقديم الرأي العلمي في مشروعات القوانين ذات الصلة بالشؤون الاجتماعية والجنائية.
يضم المركز نخبة من العلماء والخبراء الذين أسهموا في إثراء المعرفة الاجتماعية في مصر ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت به المفكر الراحل السيد ياسين، الذي بدأ مسيرته البحثية في المركز عام 1957.
وأسهم في تأسيس اتجاهات تحليلية لا تزال مؤثرة حتى اليوم ، كما نذكر الدكتورة عزة كرًيم الأستاذة في دراسات سلوك الطفل وقدمت عشرات الأبحاث عن الجرائم المرتبة بالاطفال.
ويواصل المركز عمله عبر مجموعة من الباحثين البارزين منهم أ.د هالة رمضان، و أ.د سعاد عبد الرحيم، و أ.د. نسرين البغدادي، وأ.د. نجوى خليل، الذين يشرفون على دراسات تتناول قضايا اجتماعية وجنائية ملحة مثل التنمر المدرسي، تطوير العشوائيات، وتطبيق التقنيات الحديثة في الكشف عن الجريمة.
يحظى المركز بتقدير إقليمي ودولي يعكس جودة بحوثه فقد فاز بجائزة الجاهزية الإماراتية لعامي 2022- 2023 في محور الجرائم المستقبلية غير التقليدية، كما يضم عدداً من الباحثين المصنفين ضمن أفضل 2% الأكثر تأثيراً على مستوى العالم وفق تصنيف جامعة ستانفورد، وهو مؤشر على قوة إنتاجه العلمي واتساع تأثيره.
وفي مجال الأسرة والطفل، قدم المركز دراسات تعد مرجعاً أساسياً في تحليل ديناميات المجتمع المصري من أبرزها دراسة العوامل الاجتماعية المؤثرة في الجريمة الأسرية (2021)، التي كشفت عن تأثير الضغوط الاقتصادية وتغير القيم وضعف الروابط الأسرية.
كما أصدر سلسلة مقالات حول المشكلات المستحدثة للأسرة في ظل التحولات القيمية، ونفذ دراسات معمقة حول جرائم القتل داخل الأسرة، وفي ملف جنوح الأحداث، جاءت دراسة “أطفال الشوارع في مصر” (2016).
لتقدم أول مسح شامل لظاهرة متفاقمة، إلى جانب دراسات حول الأنماط الجديدة لانحراف السلوك لدى الأطفال، ومشكلات الأطفال مجهولي النسب وسبل دمجهم اجتماعياً.
أما برنامج بحوث المخدرات الدائم، فيرصد الترابط بين الإدمان والسلوك الإجرامي، خصوصاً لدى الشباب.
من خلال هذا الإنتاج العلمي المتنوع، يظل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية مرجعاً رئيسياً لفهم المجتمع المصري وصياغة سياسات أكثر فعالية للتعامل مع تحدياته بتراكُم خبرات الباحثين
وتنوع تخصصاتهم، ودقة أدواتهم البحثية، يحافظ المركز على دوره كأحد أهم مؤسسات التفكير العلمي في مصر، ورافعة أساسية للسياسات المبنية على البحث والمعرفة.