رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حقّ الطريق في الإسلام ليس مسألة تنظيمية بسيطة؛ بل قيمة دينية أصيلة دلّ عليها الشرع الحنيف والنبي الكريم ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين نهى عن الجلوس في الطرقات إلا بحقّها، وبيّن أن من حق الطريق «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام»، هذا التوجيه النبوي لم يكن موعظة أخلاقية مجردة؛ بل أساسًا لضبط علاقة الإنسان بالمكان المشترك الذي يتقاسمه الجميع، فالطريق ملكية عامو، وحرمة الاعتداء عليه من حرمة التعدي على حقوق الناس، والتعدّي على الأشياء المشتركة كاحتلال الشوارع من قبل الباعة، وانتشار الباكيات الخاصة بالمحال التجارية، ورصف الأرصفة للبسطات الخاصة، كلها أفعال تتناقض مع روح الشريعة، لأنها تجور على حق الناس وتحوّل المرفق العام إلى ملكية خاصة دون وجه حق.

ومع أن الجميع يعرف الحق، ويعلم ما تنص عليه الشرائع من عدم الاعتداء على الملكيات العامة، فلا تزال كثير من المدن والقرى تعاني من ظاهرة التعدي على الطريق، وهي ظاهرة لا تبدو خطيرة في ظاهرها؛ لكنها تحمل أذى بالغًا للعباد والبلاد، فالطريق حين يُختطف يتحول من شريان حياة إلى نقطة اختناق، ويصبح عائقًا أمام كبار السن والمارة والناس الذين يقطنون الشارع، وسيارات الإسعاف والمطافي والشرطة التي تريد أن تقوم بواجباتها، كما يتسبب الازدحام المصطنع في زيادة الحوادث، وإهدار الوقت والجهد، وتعطيل مصالح الناس، وما هو أخطر من ذلك أن المواطن البسيط هو الذي يدفع الثمن، بينما يستفيد المعتدي وحده من المساحة التي اغتصبها من حق الجميع.


وما أدل على ما أقول من حادثة شبرا الخيمة المؤلمة، فهناك ستة أفراد من أسرة واحدة لقوا حتفهم جراء اندلاع حريق ولأن سيارة المطافي لم تستطع الوصول إلى الشقة المشتعلة في الوقت المناسب، بسبب اشغالات طريق تضخمت عبر سنوات من الفوضى والتجاهل، فقد تفاجئ رجال المطافي بأن الطريق أُغلق لصالح عشوائيات وافتراش وبناء مخالف، وهنا نكتشف أن التعدّي على الطريق ليس مخالفة بسيطة؛ بل جريمة مكتملة الأركان يدفع ثمنها الأبرياء. والضحايا ومن يطلب النجدة في وقت الضيق والحريق.


أمام هذا الواقع المرير وخاصة في المدن التي تكتظ بالعشوائيات، تصبح مناشدة الحكومة واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، فعلى الأجهزة التنفيذية والمجالس المحلية أن تقوم بدورها بحزم ودون تهاون، وأن تعامل التعدي على الطريق باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي، لا مجرد مخالفة إدارية، كذلك فليس المطلوب حملات موسمية ترفع الإشغالات لتعود بعدها بيوم أو يومين؛ بل سياسة مستمرة تعيد الانضباط، وتسترد هيبة المرافق العامة، وتُشعر المواطن أن الشارع ملك للجميع، وأن حياة الناس ليست رهينة مزاج بائع أو صاحب محل أو مبنى مخالف، استعادة الطريق هي استعادة قيمة العدل، وحماية لحق الإنسان في الحياة قبل حقه في الحركة، فالطريق ليس مساحة تُحتل، بل حق يجب أن يُصان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء