رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الاتفاق الإيطالي الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية وانتهاكات حقوق الإنسان

قوارب خفر السواحل
قوارب خفر السواحل الليبي

تُجدد حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا اتفاقها المثير للجدل مع ليبيا لمكافحة الهجرة غير الشرعية، رغم التقارير المتزايدة التي تشير إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قِبل ما يُسمى "خفر السواحل الليبي"، واستخدامهم للعنف المسلح ضد قوارب المهاجرين وسفن المنظمات غير الحكومية في المياه الدولية.

 

 اعتداءات مسلحة بقوارب إيطالية وتمويل أوروبي

 

وكشفت صحيفة “البايس” الإسبانية، أنه تزايدت حوادث إطلاق النار والترهيب من قِبل القوات الليبية ضد سفن الإنقاذ والمهاجرين الهاربين، حيث سُجلت حوادث خطيرة مؤخراً في 24 أغسطس الماضي، أطلق زورق تابع لخفر السواحل الليبي النار في المياه الدولية على سفينة "أوشن فايكينغ" التابعة لمنظمة SOS Mediterranee، والتي كانت تقل 87 شخصاً. 

وفي سبتمبر، تعرضت سفينة تابعة لمنظمة Sea Watch الألمانية لإطلاق نار أيضاً. وفي أكتوبر، أدى إطلاق نار من قارب ليبي على قارب مهاجرين إلى إصابة ثلاثة أشخاص، رغم وقوع الحادث في منطقة البحث والإنقاذ (SAR) التابعة لمالطا.

يؤكد التقرير أن إيطاليا تدفع لليبيا مقابل هذا "العمل القذر". واللافت أن الزوارق التي تُطلق النار على المنظمات غير الحكومية والمهاجرين هي في الأصل زوارق إيطالية تبرعت بها روما، ويتم تدريب ودفع رواتب الميليشيات التي تستخدمها بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

 تجديد الاتفاق السري والفوائد النفطية

 

تم تجديد الاتفاقية المثيرة للجدل والغامضة بين إيطاليا وليبيا تلقائياً في 2 نوفمبر لمدة ثلاث سنوات أخرى، وهو اتفاق وُقّع لأول مرة عام 2017 واستمر عبر أربع حكومات إيطالية متعاقبة.

 تكمن أهمية ليبيا الاستراتيجية لإيطاليا في احتياطياتها النفطية الهائلة وغازها الطبيعي، حيث  تدفع إيطاليا والاتحاد الأوروبي لليبيا مقابل وقف تدفق القوارب، وبلغ التمويل حوالي 100 مليون يورو حتى عام 2022.

تشير الأمم المتحدة إلى أن نظام إدارة المهاجرين في ليبيا هو "دورة عنف بغيضة"، حيث تشكل مراكز الاحتجاز سجوناً مروعة تُمارس فيها التعذيب والاعتداءات الجنسية، وتؤكد المنظمات غير الحكومية أن إعادة المهاجرين إلى ليبيا تُعد انتهاكاً لـ اتفاقية جنيف لعام 1951 والقانون الدولي للإنقاذ البحري.

 

 حصار المهاجرين وتحدي المحاكم

 

تشير البيانات إلى أن ما لا يقل عن 169,000 شخص تم اعتراضهم وإعادتهم بشكل غير قانوني إلى ليبيا منذ عام 2016. وفي هذا السياق، أصدرت حكومة ميلوني مرسوم بيانتيدوسي الذي يلزم سفن المنظمات غير الحكومية بالامتثال لأوامر مركز الإنقاذ البحري في طرابلس.

تؤكد فرانشيسكا دي فيتور، أستاذة القانون الدولي، أن مذكرة التفاهم الإيطالية-الليبية بأكملها هي "انتهاك للقانون الدولي من الألف إلى الياء". ويُتهم الاتفاق بأنه أدى فعلياً إلى زيادة تهريب المهاجرين وزيادة قوة المافيات التي تستغل هذا الوضع.

على الرغم من تجديد الاتفاق، فقد أصدرت المحاكم الإيطالية العليا، بما في ذلك المحكمة العليا والمحكمة الدستورية، أحكاماً لصالح المنظمات غير الحكومية، مؤكدة أن "واجب الإنقاذ في البحر يتفوق على جميع القواعد والاتفاقيات الثنائية" لمكافحة الهجرة غير الشرعية، ولا يمكن معاقبة القادة على العصيان الذي يهدف إلى "حماية حياة الإنسان".

 حققت منظمات مثل "JL Project" أول انتصار قضائي في يونيو 2024، حيث أدانت إيطاليا في قضية إعادة 250 مهاجراً بشكل غير قانوني إلى ليبيا، وتمكنت من تحديد مكان بعضهم للحصول على تعويضات وحتى تأشيرات دخول.

 "أسطول العدالة" يهدد بالعصيان في عرض البحر

 

في مواجهة تجديد الاتفاق والجمود السياسي، أعلنت 13 منظمة غير حكومية من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا تشكيل تحالف باسم "أسطول العدالة" (Justice Fleet)، وتعهدت بالبدء في عصيان أوامر التنسيق الصادرة من طرابلس.

 يهدف التحالف إلى خلق "كتلة حرجة منظمة للعصيان" لدفع التغيير، مؤكداً أن الخطوة "حتمية" بسبب سلوك خفر السواحل الليبي الذي وصفته المحاكم الإيطالية بـ "قطاع طرق حقيقيين" في المياه الدولية.

 

 فضيحة المصري: إفلات مجرم حرب بطائرة رسمية

 

أظهرت "فضيحة المصري"، وهي أحدث فصول الاتفاق مع ليبيا، مدى الغموض والفساد المحيطين بالشراكة، لأن أسامة نجيم المصري، وهو قائد ميليشيا سابق مسؤول عن سجن متيجة (أحد "مراكز الرعب" للمهاجرين)، متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية (TPI) بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك 35 جريمة قتل و22 اعتداءً جنسياً (بما في ذلك طفل يبلغ من العمر 5 سنوات).

تم تحديد مكان المصري في تورينو في يناير الماضي، وتم اعتقاله بأمر من المحكمة، لكن الحكومة الإيطالية أفرجت عنه بعد يومين وأرسلته على متن طائرة رسمية إيطالية إلى طرابلس، حيث استُقبل كـ "بطل"، متذرعة بـ "عيوب شكلية" غامضة.

رداً على ذلك، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً ضد إيطاليا لانتهاكها التزام التعاون، وهو أمر غير مسبوق وقد يؤدي إلى إحالة إيطاليا إلى مجلس الأمن، وفي تطور مدهش، ألقت السلطات الليبية نفسها القبض على المصري لاحقاً لارتكابه انتهاكات لحقوق الإنسان في السجون، مما يؤكد الفوضى التي تحكم أمن المهاجرين في ليبيا.

تضييق الخناق على المنقذين

 

بالإضافة إلى "العمل القذر" الليبي، تطبق إيطاليا سياسة "مضايقة وعرقلة" للمنظمات غير الحكومية التي أنقذت 155 ألف شخص في السنوات العشر الماضية، و تُلزم السلطات الإيطالية المنظمات غير الحكومية بالرسو في موانئ بعيدة جداً (قد تستغرق ثلاثة أو أربعة أيام إضافية)، مما يُضيّع أموالها ووقتها ويقلل من قدرتها على إنقاذ المزيد من الأرواح.

 تمكنت إحدى سفن منظمة "ميديتيرانيا" مؤخراً من هزيمة الحكومة في المحاكم عندما ألغى قاضٍ قراراً بمنع سفينتهم، مشيراً إلى أن العصيان كان "لدوافع تضامنية بحتة" ويهدف إلى “حماية حياة الإنسان”، إلا أن الحكومة عاودت حظر السفينة بعد عودتها، في معركة لا تنتهي في عرض البحر وفي ساحات القضاء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء