رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

زيجات قسرية وأجساد للبيع.. الاتجار بالبشر يهدد النساء في أوروبا

ضحايا الاتجار بالبشر
ضحايا الاتجار بالبشر

تتصاعد التحذيرات بشأن ظاهرة الزواج القسري في أوروبا، التي تُمثل شكلاً خطيراً ومُتخفياً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووفقاً للتحليلات القانونية، فإن هذه الممارسات لا تقتصر على كونها تقاليد ثقافية مزعومة، بل ترقى إلى مستوى الاتجار بالبشر، حيث تُباع وتُشترى أجساد الفتيات القاصرات كسلعة.

 

أجساد للبيع: قضية الفتاة القاصر الغجرية

واستعرضت ماريا يوجينيا رودريجيز بالوب أستاذ فلسفة القانون بجامعة كارلوس الثالث بمدريد وعضو البرلمان الأوروبي (2019-2024)، حالات مأساوية تجسد الانتهاك الصارخ لحقوق القاصرات والنساء، حيث  كشفت التحقيقات عن قضية فتاة قاصر تبلغ من العمر 14 عاماً من عائلة غجرية (رومانية)، تم تسليمها من قِبل والديها لعائلة أخرى مقابل 5000 يورو، وخمس زجاجات ويسكي، وبعض المواد الغذائية، لتتزوج من ابنهما البالغ 21 عاماً. 

ماريا يوجينيا رودريجيز بالوب عضو البرلمان الأوروبي
ماريا يوجينيا رودريجيز بالوب عضو البرلمان الأوروبي

ويواجه الطرفان تهمة الاتجار بالبشر بغرض الزواج القسري، والفتاة، التي لم تكن مسجلة رسمياً أو ملتحقة بالدراسة، أُجبرت أيضاً على التسول في الشوارع لتوفير الدخل للعائلة "المشترية".

 

وأكدت رودريجز في مقالها بصحيفة “البوبليكو” الإسبانية،  أن التحقيق في القضية لا يستبعد الاعتداء الجنسي، مشيرة إلى أن "العذرية هي أيضاً سلعة تبادل" في هذه الممارسات، ولا يمكن لأي "تقليد أو عرف أن يغطي عيوب" هذه الجرائم.

أروج وأنيسا
أروج وأنيسا

 البيع والشراء: قصص مروعة من الإكراه والاستغلال

 

تستذكر المقالة مقتل الأختين أروج (24 عامًا) وأنيسا (21 عامًا) من تيراسا (برشلونة)، اللتين قُتلتا على يد أقاربهما في باكستان. وكان "ذنب" الشابتين هو رفض الاستمرار في زواجهما القسري من أبناء عمومتهما ورغبتهما في الزواج بمن اختارتاهما، حيث تم خداعهما للعودة إلى باكستان قبل أن تُقتلا بالرصاص أثناء نومهما، في "جريمة شرف" خطط لها أحد إخوتهما وحظيت بمباركة العائلة.

 

 تصنيف الزواج القسري كـ "جريمة اتجار" في أوروبا

 

تُشكل الزيجات القسرية شكلاً خفياً ومزمناً من العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع شح في البيانات الرسمية عنها. وقد دفع هذا الواقع الاتحاد الأوروبي وإسبانيا إلى تطوير إطارهما القانوني:

 جُرم الزواج القسري في إسبانيا كجريمة محددة عام 2015. وفي عام 2024، صنف تعديل توجيه الاتجار بالبشر (2011) هذه الممارسة لأول مرة كـ "جريمة اتجار"، إلى جانب التبني غير القانوني واستغلال تأجير الأرحام. كما أدرجه توجيه العنف ضد المرأة (2024) كشكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وتشير الإحصائيات الأوروبية إلى أن اثنتين من كل ثلاث ضحايا للاتجار هن نساء وفتيات (68.4%)، ومعظم الاستغلال يكون جنسياً (55.7%) أو عمالياً (28.5%)، ويقع جزء كبير منه في أنشطة التسول والإجرام (15.8%).

الإتجار في البشر
الإتجار في البشر

 أسباب الجريمة وغياب الشفافية الإحصائية

 

تؤكد الكاتبة أن الأسباب الجذرية للاتجار لا تُعالج بشكل كافٍ، ولكن في حالة الزواج القسري، يبقى غياب المساواة والعنف القائم على النوع الاجتماعي هو العامل الرئيسي، وتتفاقم المشكلة بوجود العوامل المعتادة: الفقر، النزوح القسري، البطالة، نقص التعليم، الأصل العرقي، التمييز، والتهميش.

 يؤدي نقص الوثائق الرسمية إلى تحويل الضحايا إلى "مواضيع غير مرئية" لا يمكن ضمان أي حق من حقوقهم لهن، كما تعيق الحواجز الثقافية والاجتماعية الإبلاغ، حيث لا يمكن التمييز في كثير من الأحيان ما إذا كانت النساء مكرهات أو يتقبلن الممارسة ثقافياً. كما أن معظم الحالات تُكتشف في مرحلة الوقاية ولا تصل إلى مرحلة الإحصاءات الرسمية للشرطة.

 

 الانتقادات ودعوة لقانون شامل لمكافحة الاتجار

 

على الرغم من الجهود المبذولة، تواجه مكافحة الظاهرة تحديات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالفئات الأكثر تهميشاً، حيث  تؤكد الكاتبة أن زواج الأطفال في أوساط السكان الغجر يكاد يكون غائباً عن الإطار السياسي في أوروبا، وإسبانيا ليست استثناءً، فالدفاع عن هذه الممارسات تحت ستار "التقاليد الثقافية"، إلى جانب التهميش العرقي المتجذر، يساهم في إدامة المشكلة.

 تعرب الكاتبة عن أسفها لعدم وجود قانون شامل في إسبانيا يعالج ظاهرة الاتجار بالبشر، بالرغم من وجود التوجيه الأوروبي الذي يجب تنفيذه، وتطالب بتطبيق توجيهات الاتحاد الأوروبي لإنشاء خطط وطنية جيدة، وتعيين منسق دولة لمكافحة الاتجار، وهيئات مستقلة لمراقبة تأثير التدابير.

تختتم الكاتبة المقالة بدعوة إلى الإدانة الصارمة لـ "القوادين والمستغلين والمستهلكين" ومن يتواطؤون معهم، واصفة الزواج القسري بأنه "شكل مقيت من العبودية" يضمن للذكور وصولاً إلى علاقات جنسية غير توافقية وسيطرة استبدادية، ويحول العائلة إلى "قفص" للضحية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء