عندما شرعت في كتابة سلسلة مقالات “قوة مصر العلمية”، كنت أبحث عن القوى الحقيقية للدولة المصرية ، باعتبارها القوى الصامته التى لا تتحدث عن نفسها وتكتفي بما تقدم من أبحاث واستشارات علمية في مجالها.
وخلال البحث عنها، اكتشفت الفرق بين دول حديثة المنشأ ودول راسخة بمؤسساتها، العلمية والأمنية والقضائية وحتى الإعلامية، فبوجود تلك المؤسسات سقطت كل المؤامرات التي سعت إلى إسقاط الدولة، وبوجودها نتطلع لمستقبل واعد وحاضر أفضل وآمن.
وفي الحلقة الرابعة من تلك السلسة نتوقف أمام "الهيئة القومية للاستشعار عن بُعد وعلوم الفضاء" إحدى أعمدة البحث العلمي والتكنولوجيا التي تمثل -عين الدولة من الفضاء - فهي ترصد وتراقب وتخطط بدقة علمية من أجل مستقبل وطن عزيز وغالٍ.
تعود جذور الهيئة إلى مطلع السبعينيات حين بدأت التجربة المصرية في مجال الاستشعار عن بُعد كمشروع مشترك مع الولايات المتحدة عام 1971 تحت مظلة الأكاديمية المصرية للبحث العلمي والتكنولوجيا.
ومع تطور طموحات مصر في توظيف تكنولوجيا الفضاء لخدمة التنمية، صدر القرار الجمهوري رقم 489 لسنة 1991 بإنشاء الهيئة القومية للاستشعار عن بُعد، ككيان مستقل تابع لوزارة البحث العلمي.
ثم جاء عام 1994 ليشهد مرحلة جديدة من التطوير شملت إضافة علوم الفضاء إلى اختصاصاتها، لتتحول من مجرد مركز للمراقبة الفضائية إلى مؤسسة وطنية لتوطين التكنولوجيا الفضائية وصناعتها.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الهيئة من المؤسسات الرائدة في العالم العربي والأفريقي في مجالات الفضاء والاستشعار عن بُعد، إذ تعمل من خلال ثماني شُعب علمية متخصصة تمس شتى مجالات التنمية بدءا من مراقبة المحاصيل الزراعية وتقدير الموارد المائية، مرورا بتقييم التغيرات المناخية، وصولا إلى تصميم وتصنيع مكونات الأقمار الصناعية الصغيرة.
وتعتمد الهيئة في عملها على أحدث تقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار الفضائي لتحليل الصور والبيانات الملتقطة بالأقمار الصناعية والطائرات، بما يساعد الدولة في التخطيط السليم وإدارة الموارد الطبيعية.
وقد تحولت الهيئة بالفعل إلى مركز وطني لاتخاذ القرار القائم على المعلومة الدقيقة، حيث ساهمت في العديد من المشروعات القومية الكبرى مثل مشروعات الطرق والمواني والسكك الحديدية، فضلا عن دراسات الجدوى الجيولوجية لتحديد أنسب المواقع للمشروعات التنموية.
ولم يقتصر دور الهيئة على الجانب التطبيقي فحسب، بل تجاوز ذلك إلى توطين تكنولوجيا الفضاء نفسها، فقد نجح علماؤها في تطوير خوارزميات وطنية للتحكم في الأقمار الصناعية باستخدام المستشعرات المغناطيسية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهو إنجاز جعل مصر ضمن الدول القليلة التي تمتلك هذه التكنولوجيا المتقدمة، وأسهم في خفض التكاليف وإطالة عمر الأقمار الصناعية.
كما تُعد الهيئة من أبرز الجهات المصرية المساهمة في ملف التغيرات المناخية، إذ أصدرت أول أطلس وطني للتغيرات المناخية بالاعتماد على تقنيات الفضاء، لتحديد أكثر المناطق تأثراً بالتغير المناخي ودعم الدولة في وضع استراتيجيات التكيف والمجابهة.
وفي مجال الزراعة، ساعدت الهيئة في مراقبة المحاصيل الاستراتيجية، ورصد التعديات على الأراضي الزراعية، وتحديد مناطق الاستصلاح الجديدة، خاصة في مشروع الدلتا الجديدة.
أما في قطاع المياه، فقد قدمت دراسات دقيقة لتقييم موارد المياه الجوفية والسطحية باستخدام تقنيات الرصد الفضائي.
وتولي الهيئة أهمية كبيرة لبناء القدرات البشرية، فتنظم سنوياً دورات تدريبية ومنحاً علمية للطلاب والباحثين في مجالات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية، كما تستقبل متدربين من دول أفريقية عديدة، ما يجعلها منصة إقليمية لنقل المعرفة والتكنولوجيا.
ويقود هذا الصرح العلمي نخبة من العلماء المصريين الذين يجسدون الصورة المشرقة للبحث العلمي الوطني، من بينهم الأستاذ الدكتور إسلام أبو المجد الذي لعب دورا بارزا في ربط أبحاث الهيئة بالمشروعات القومية، والدكتور تامر مكي الذي أسهم في تطوير تقنيات التحكم الذكي بالأقمار الصناعية، والدكتورة إلهام محمود علي التي تشارك في اللجان الدولية للتغيرات المناخية، وتقدم رؤى علمية دقيقة حول مستقبل المناخ في المنطقة.
بهذه الإمكانيات تؤكد الهيئة القومية للاستشعار عن بُعد وعلوم الفضاء أن مصر لا تكتفي بأن تكون مستخدما لتكنولوجيا الفضاء، بل تصنعها وتطورها وتوظفها لخدمة الدولة، ولهذا يحق لكل مواطن مصري أن يقول بكل ثقة: “ارفع راسك فوق أنت مصري”.