الكاميرا الثاقبة.. معاناة صحفيي غزة في ظل الدمار والحصار|تقرير
بدأ الصحفيون في قطاع غزة معركة البقاء والكلمة منذ اللحظة الأولى للعدوان، يقاومون القصف والحصار بعدساتهم وأقلامهم، ويحولون الخطر اليومي إلى رسالة إنسانية تصل إلى العالم رغم الدمار وانقطاع الكهرباء والاتصالات.
يخرجون إلى الميدان لا بحثًا عن سبق صحفي، بل دفاعًا عن حق شعبهم في أن يُروى وجعه كما هو، بلا تزييف ولا صمت، ووسط الركام والدم، يواصل هؤلاء الصحفيون العمل في ظروف لا تحتمل، بعد أن فقد كثيرٌ منهم بيوتهم وزملاءهم وأحبّتهم، لكنهم ظلوا يكتبون ويرسلون صورهم للعالم ليقولوا: ما زالت الحقيقة حية رغم الإبادة.
الصحافة في قلب النار
وقال الدكتور تحسين الأسطل، نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين، في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، إن واقع العمل الصحفي في قطاع غزة ما زال خطيرًا للغاية، رغم توقف إطلاق النار مؤقتًا، إذ يمنع الاحتلال حتى اللحظة دخول المعدات الخاصة بالعمل الصحفي والطواقم الإعلامية الأجنبية إلى القطاع.

وأوضح الأسطل أن ما يزيد المأساة هو الدمار الواسع الذي طال المؤسسات الإعلامية ومنازل الصحفيين، إذ تم تدمير 155 مؤسسة إعلامية بالكامل، وأكثر من 730 منزلًا للصحفيين دُمر كليًا، و300 منزل أصبح غير صالح للسكن، مؤكدًا أن هذا الواقع يعكس صورة "الإبادة الإعلامية" التي رافقت الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
وأضاف الأسطل أن الصحفيين يعيشون اليوم ظروفًا قاسية بعد فترات النزوح الطويلة، فهم يحاولون لملمة ما تبقى من حياتهم ومنازلهم، بينما يواجهون ضغوطًا نفسية هائلة جراء ما شهدوه من جرائم واستهداف مباشر.
وقال: «برغم كل ما أصابهم من حرب إبادة جماعية، واصل الصحفيون عملهم ونقلوا الحقيقة للعالم بدمهم وأرواحهم».
انتهاكات قانونية صارخة
وأكد الأسطل أن المحكمة العليا في دولة الاحتلال رفضت ثلاث مرات السماح بدخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، في مخالفة صريحة لقرارات مجلس الأمن، خصوصًا القرار 2222، الذي ينص على حماية الصحفيين والسماح لهم بالوصول إلى مناطق النزاعات المسلحة.
وأوضح أن الاحتلال يرفض دخول الصحفيين الأجانب لأنه يدرك حجم الجرائم التي ارتكبها في القطاع، قائلاً: «أي صحفي أجنبي يدخل غزة سيرى جرائم حرب لا يمكن إنكارها».
وطالب بضرورة الضغط الدولي العاجل للسماح بدخول الصحفيين الأجانب وملاحقة دولة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.
تحديات الميدان والإبادة الإعلامية
وأشار إلى أن التحديات أمام الصحفيين الفلسطينيين هائلة، إذ يحتاجون إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والمؤسسات الإعلامية المدمرة، موضحًا أن النقابة تتابع أوضاع 255 شهيدًا من الصحفيين وأكثر من 500 جريح منذ بداية الحرب، من أصل 1100 صحفي مسجل بالنقابة.

وأشار إلى أن النقابة تعمل في اتجاهين، دعم أسر الشهداء الصحفيين، وإعداد ملف قانوني لتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة الاحتلال على جرائمه ضد الصحافة الفلسطينية.
وقال الأسطل إن الظروف النفسية التي يعيشها الصحفيون بعد عامين من الحرب قاسية للغاية، بعد فقدان الأهل والأصدقاء والزملاء والمنازل، وتحول مدن غزة إلى «مدن للظلام والموت».
وأضاف أن النقابة تسعى إلى تخليد أسماء الشهداء الصحفيين من خلال لوحات جدارية وصور تذكارية في المراكز الإعلامية، مؤكّدًا أن ذكراهم ستبقى شاهدة على ثمن الحرية والكلمة.
الصحافة بين الخوف والواجب
ومن جانبها قالت الصحفية سميرة وافي في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، إن أول يوم خرجت فيه للتغطية بعد بداية العدوان كان صادمًا ومؤلمًا يفوق الوصف، حيث شاهدت القصف والدمار والصرخات في كل مكان، وأضافت: «حاولت أن أتمالك نفسي كصحفية، لكن المشاهد كانت تفوق القدرة على الاحتمال».
وأكدت أن كل مهمة ميدانية باتت معركة بين الخوف والواجب المهني، خاصة بعد فقدانها بنات أخيها في قصف قريب منها.
وأضافت سميرة أن الإعلام العالمي فشل في نقل الحقيقة كما يعيشها أهل غزة، قائلة: «كنا نوثق الجرائم ونرسل الصور، لكن العالم لم يسمع إلا ما يريد أن يسمع».

وشددت على أن الصورة الصادقة يمكن أن تُحدث فرقًا في مسار الحرب، لأنها تفضح الظلم وتحرّك ضمير العالم، مؤكدة: «ربما لا نغير قرارات الحكومات، لكننا نغير وعي الشعوب، وهذا بداية التغيير».
وطالبت سميرة بتوفير مستلزمات الحياة الأساسية ومعدات الحماية والدعم النفسي للصحفيين كي يتمكنوا من الاستمرار، موجهة رسالة للعالم: «انظروا إلينا كأرواح لا كأرقام... أعيدوا للإنسانية قيمتها».
مهنة في مواجهة الموت
وأكد الصحفي محمد الأسطل من خان يونس إن يوم السابع من أكتوبر 2023 سيظل محفورًا في ذاكرته، حين انطلقت الصواريخ وشاهد الجرحى والشهداء يتدفقون إلى مجمع الشفاء الطبي، موضحًا أنه بدأ تغطيته الميدانية وسط حالة من الفوضى والدماء، ناقلاً الأحداث عبر القنوات الإعلامية المختلفة.
وأضاف أنه عاش لحظات خطيرة خلال القصف الكثيف، خاصة في الليالي التي اضطر فيها للبقاء مع زملائه في مركز بيت الصحافة بوسط غزة، حيث لم يتوقف القصف طوال الليل.
وقال: «كنا نكثر من الشهادة لشدة القصف.. لم نكن نعلم إن كنا سنعيش حتى الصباح».
وأشار الأسطل إلى أن انقطاع الكهرباء والاتصالات منذ بداية الحرب جعل نقل المواد الإعلامية مهمة شبه مستحيلة، إذ كان الصحفيون يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مناطق فيها طاقة شمسية أو شبكة إنترنت محدودة.

وأوضح أنه لم يتلق تهديدات مباشرة لكنه رفض الانجرار وراء الشائعات التي يروّجها الاحتلال، مشددًا على أهمية التحقق من المصادر وعدم خدمة رواية العدو.
وتحدث عن المشاهد المروعة التي رآها، قائلاً: «عشنا وسط الجوع وسوء التغذية والأمراض.. كنا نبكي لعجزنا عن مساعدة الناس».
وروى قصة الطفل محمود الرنتيسي (11 عامًا) الذي أصيب بالشلل بعد إطلاق النار عليه، يعيش بلا علاج ولا حتى حفاضات، وأبواه من ذوي الإعاقة، واصفًا هذه القصة بأنها «الأشد إيلامًا في حياته».
وختم الأسطل بالقول: «نحن لا نموت إلا بقدر الله، ومهنتنا أخلاقية ووطنية، وسنظل نفضح جرائم الاحتلال مهما كان الثمن».
في وسط الموت
أكد الصحفي أديب حلمي خلف إن المخاطر اليومية التي يواجهها الصحفيون في غزة هائلة، في ظل غياب أدوات الحماية الأساسية كخوذ وواقيات الدرع التي لم تدخل القطاع منذ عامين، موضحًا أنه انعدام سبل الأمان يجعلهم يعملون في وسط الموت، حيث القصف لا يتوقف والمناطق الآمنة معدومة.
وأضاف أن أكثر من 280 صحفيًا فلسطينيًا سقطوا ضحية لغارات إسرائيلية متعمدة، فضلًا عن تدمير معدات البث والكاميرات والمكاتب الصحفية، مشيرًا إلى أن انقطاع الكهرباء والإنترنت زاد من صعوبة نقل الحقيقة للعالم، إذ كان الصحفيون يضطرون إلى تسلق أماكن مرتفعة لإرسال المواد الإعلامية عبر شرائح إلكترونية.

وتحدث أديب بمرارة عن تقصير المؤسسات الإعلامية الدولية التي «اكتفت بالإدانة» دون دعم فعلي أو حماية حقيقية، مؤكدًا أن الصحفيين في غزة يقاتلون بالكلمة والصورة وحدهم.
وختم بالقول: «نتمنى أن يتحسن الوضع وأن نحصل على الحماية اللازمة.. فالصحافة هنا ليست مهنة، بل معركة من أجل البقاء».
وتحول قطاع غزة إلى انقاض، ويواصل الصحفيون الفلسطينيون أداء واجبهم المهني والإنساني، حاملين الكاميرا بدل السلاح، ومخاطرين بأرواحهم في سبيل الحقيقة بين أنقاض المكاتب المدمرة وأصوات القصف المستمرة، تبقى كلماتهم وصورهم الشاهدة الوحيدة على جريمة مستمرة، الصحافة في غزة لا تموت، بل تكتب بدم الشهداء.