بين الركام والموت.. صحفية فلسطينية تروي للعالم وجع غزة|خاص
تخرج الصحفية الفلسطينية سميرة وافي، من بين ركام البيوت في غزة، تحمل كاميرتها كما يحمل الجندي سلاحه، تمسح الغبار عن عدستها وتبدأ في تصوير الحقيقة التي يحاول العالم تجاهلها، ولم تعد الصحافة بالنسبة لها مهنة أو شغفًا، بل معركة حياة ضد النسيان والموت معًا، وفي كل مرة تضغط فيها على زر التصوير، تكون بين الانفجار والصرخة، بين الواجب والخوف، لكنها لا تتراجع.
غزة تحيا رغم كل شيء
جعلت الحرب من الكلمة هدفًا، ومن الصورة جريمة، اختارت سميرة أن تكون شاهدة لا صامتة، وأن تحكي بدمها ما عجزت الشاشات عن قوله، إنها قصة امرأة تصنع من الخطر رسالة، ومن الألم قوة، ومن الركام حكاية عنوانها: "غزة تحيا رغم كل شيء".

تبدأ سميرة حديثها لـ «إيجبتك» بصوت يختلط فيه القوة والانكسار، تحكي عن أول يوم خرجت فيه إلى الميدان لتغطية الحرب قائلة: «في أول يوم خرجت فيه للتغطية بعد بداية العدوان، كان المشهد يفوق كل تصور، كنت أرى بعيني ما كنت أنقله يومًا بعدسة الكاميرا، القصف في كل مكان، صرخات الناس، والدمار الذي لا يترك خلفه سوى الوجع».
كانت تحاول أن تتماسك أمام المشهد المفزع التي تراه، لكنها لم تستطيع أن ترى الدمار وقتل الأطفال وتمزيق الجثث، وتعترف أن ذلك اليوم غيرها إلى الأبد: «منذ ذلك اليوم، أصبحت كل مهمة ميدانية معركة بين الخوف والواجب، خاصة بعد فقداني بنات أخي في قصف قريب منا».
الإعلام.. معركة الوعي
لم تكن التغطية مجرد مهنة بالنسبة لها، بل معركة بقاء، كل صورة تلتقطها، وكل تقرير تكتبه، هو مقاومة جديدة ضد النسيان وضد الصمت المفروض على وجع غزة، متحدثة بمرارة عن الإعلام العالمي الذي وصفته بـ «الأصم أمام معاناة أهل غزة».
وتتابع وافي: «الإعلام العالمي في معظمه لم ينقل الحقيقة كما كنا نعيشها، وهناك تجاهل متعمد لمعاناة الناس، وتركيز على رواية الاحتلال أكثر من صوت الضحايا».
وتضيف بأسى متذكرة الجرائم التي يفعلها الاحتلال يومًا تلو الآخر: «كنا على الأرض نرى ونوثق الجرائم، لكن العالم لا يسمع إلا ما يُراد له أن يسمع، كنت أشعر أحياناً أن دماء الأطفال لا تحرك شيئًا لدى بعض وسائل الإعلام التي تدعي الحياد».
ما بين الواجب والخطر
تحكي سميرة إحدى ضحايا الحرب، وليست شاهدة عليها فقط، ومع ذلك تواصل عملها بإصرار رغم غياب أبسط مقومات الحياة والأمان بالنسبة لها، مازالت تدافع عن أهل غزة بالكلمة وتوثق بالصورة، لتأخذ حق بناتها وتقوم بواجبها تجاه أهلها.
تتحدث سميرة عن الخطر الذي يحاوطها من كل ناحية قائلة: «لكي أستطيع الاستمرار في عملي الصحفي، أحتاج أولاً إلى مأوى آمن، طعام، ماء، ودواء، أما مهنيًا، فنحن بحاجة لمعدات حماية، وسائل تواصل، ودعم نفسي لأننا نعيش تحت ضغط وخطر دائمين».
تدرك الصحفية الفلسطينية أن العدسة باتت هدفًا، وأن الصحافة أصبحت في غزة خطرًا، لكنها ترى في المهنة رسالة لا يمكن التخلي عنها: «العمل الميداني أصبح شبه مستحيل، ومع ذلك نحاول أن نؤدي رسالتنا بقدر ما نستطيع».

تؤمن بأن قوة الصورة والكلمة رغم القصف والاحتلال مازالت تؤثر في العالم قائلة: «الإعلام الحر والصادق يستطيع أن يُحدث فرقًا في مسار الحرب، ربما الصورة لا توقف القصف، لكنها تفضح الظلم وتحرك ضمير العالم».
نداء من تحت الركام
وتكمل حديثها بثقة المقاتل: «في غزة نقاتل بالكلمة والصورة، ونحاول أن نحافظ على الذاكرة وألا تُنسى الحقيقة، وربما لا نغير قرارات الحكومات، لكننا نغير وعي الشعوب، وهذا في حد ذاته بداية التغيير».
وتوجه رسالة إنسانية تختصر مأساة غزة للعالم: «نحن هنا ما زلنا نحيا رغم الجوع والخوف والبرد، ونتمنى تثبيت وقف إطلاق النار، وألا نعود للحرب مجددًا، أنظروا إلينا كأرواح لا كأرقام».

واختتمت حديثها: «في غزة النساء والأطفال بلا مأوى، والوجع لا يفارق البيوت، كصحفية وناجية، لا أطلب سوى أن يُسمع صوتنا، وأن تُعاد للإنسانية قيمتها في هذا العالم، وأن يُعاد إعمار غزة لنحيا بكرامة».
كتبت سميرة الحقيقة بدموعها ودمائها رغم عجز العالم عن قول الحقيقة، ليست فقط صحفية من غزة بل شاهد على الواقع الممنوع من العرض، وفي عينيها تتجلى صورة غزة كلها وهي مكلومة شامخة لا تنكسر.