رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هربنا ليلًا من شمال غزة تحت القصف والأحزمة النارية

سيدة من غزة تروي رحلة الألم والموت لـ"إيجبتك": كتبت أسماء أطفالي على أيديهم خوفًا من الضياع

النازحين من الشمال
النازحين من الشمال إلي الجنوب

بين ركام البيوت وأصوات الصواريخ، تولد في غزة يوميًا قصص وجع جديدة، لا تشبه سواها، قصص تروي كيف تحوّل الحلم البسيط بحياةٍ آمنة إلى كفاحٍ من أجل البقاء، ومن بين تلك القصص، تروي سميّة عبدربه، شابة تبلغ من العمر 24 عامًا، تفاصيل أيامها قبل الحرب وبعدها، كما لو كانت فصلًا من روايةٍ غارقة بالألم والصبر.

تبدأ سميّة حديثها مع “إيجبتك” قائلة: حياتي قبل الحرب كانت زي حياة كل غزاوي بين عائلاتنا وحبايبنا، كنت أنا وزوجي نجهز بيتنا مشان نستقر، كنت أحلم بحياة حلوة وسط عيلتي وأولادي وأستقر، تعبنا وشقينا لكي نبني بيت ونأسس مستقبل، لحد صباح يوم السبت 7/10/2023، صحينا على صوت الصواريخ واحنا مش فاهمين شيء، ومن هنا بدأ الخوف والرعب والمعاناة.

من بيت الأحلام إلى درب النزوح

وأضافت سميّة، والوجع يثقل كلماتها: بتاريخ 11/10/2023 اتصل علينا الجيش الإسرائيلي نطلع من بيوتنا، خلص الاتصال قصفوا بيت جيراننا مباشرة وكان البيت مليان سكان، صاروا الناس يجروا ينقذوا المصابين، يومها استشهدوا 6 من جيراننا.

وتابعت: “طلعنا من بيوتنا مجبرين، بالليل القصف كان يشتد لدرجة ما كنا نعرف شو يعني نوم، الكهرباء قطعت وما رجعت، صرنا نشحن الكشافات ونشتري شمع حتى نضيئ المكان، الميه قطعت وصار لازم ندور عليها ونصف طوابير لنحصل عليها، كل شيء بدأ سعره يرتفع".

حزام النار والخوف من المجهول

وتواصل: “بدأ القصف يشتد وصار الحزام الناري والقصف يقرب علينا، والجيش الإسرائيلي بدأ يتصل علينا حتى ننزح لجنوب القطاع، بليلة الجمعة صار حزام ناري عنيف جدًا لدرجة نسمع صراخ الناس، ولما يسكتوا نعرف إنهم استشهدوا”.

وتحكي سمية: “من الخوف إنه إذا استشهدنا ما نعرف بعض أو ما حدا يعرفنا، صرنا نكتب أسماءنا على أيدينا وجسمنا مشان لو استشهدنا وصرنا أشلاء يعرفوا مين نحنا، وتقريبًا هذه أصعب لحظة مرت عليّ، لما مسكت أولادي الاثنين اللي أعمارهم تحت الـ 5 سنوات وكتبت أسماؤهم على أيديهم".

النزوح جنوبًا… رحلة بلا وجهة

واستكملت: “نزحنا لجنوب القطاع مجبرين من القصف والحصار الشديد، وصلنا بدون ملابس ولا مأوى، جلسنا بالشارع لحد ما لقينا مأوى وجلسنا فيه، وعملنا خيام وجلسنا فيهم. الدنيا كانت شتا والبرد شديد علينا، وما كان في ملابس شتوية ولا أغطيه نتغطى فيها، لحد ما ربنا دبرها وجبنا ملابس وأغطية نمشي حالنا فيهم، بدأت معاناة النزوح والحمامات والمياه والأكل بدأنا من تحت الصفر”.

مرض الطفل الصغير

وحكت عن مرض ابنها قائلة: “في يوم ابني الصغير مرض مرض شديد بسبب التلوث وانعدام توفر مقومات الحياة، وجلس في المشفى أسبوع بالعناية. الحمد لله ربنا سترها معنا وتمم شفائه على خير”.

قرار الأب

وتابعت: “والدي ربنا يبارك فيه، ما هان عليه أولادي والحال كان صعب، خاصة إنه الحرب طالت جنوب القطاع وما في أي مكان آمن حاكلنا: أنا بدي أسافر وبدي آخذكم معي لحد ما تخلص الحرب، طالما ربنا مقدرين للسفر أنا بدي إياكم تكونوا بأمان".

وجع الفقد… والدمع لا يجف

تسكت سميّه قليلًا، ثم تتابع بصوتٍ متكسّر: “لما اشتدت وتيرة الحرب أول شهيد كان ابن عمتي البكر، كان سندها وسند أخواته، راح يدور على طحين لأهله ورجع بالكفن، ثاني شهيد كان ابن عمي وأخوي اللي تربيت أنا وهو، راح يدور على طحين لأهله ورجع بالكفن كمان، ربنا يرحمهم”.

وتواصل: "الشهيد الثالث حماده ابن عمتي، عمره 8 سنين، كانت أمه رايحه تجيب أكل من السوق، لحقها على الشارع يحكيها: ماما جيبيلي إندومي حلمه بسيط.. حكتله ماشي. أمه وأبوه راحوا للسوق وهو ضل يستناهم، مفيش عشر دقايق صار قصف، الناس اتصلوا على عمتي حكولها ابنك تصاوب، رجعت تدور عليه، لقت شعره على الأرض، شبشبه، جزء من راسه ومن إيده، عرفت إنه استشهد، ولحد الآن مصدومة ومفجوعة، ربنا يصبر قلبها".

اختتمت سميّة حكايتها بصوتٍ فيه من الإيمان ما يفوق الحزن: والحمد لله على كل حال، وربنا يصبر قلوبنا ويرحم شهداءنا ويشفي جرحانا، وإن شاء الله نرجع لبلادنا ونعمرها.

قصة سميه ليست حكاية عابرة في سجل الحرب على غزة، بل هي مرآة لما عاشه آلاف الفلسطينيين الذين حرموا من الأمن والحياة البسيطة، هي شهادة إنسانية تعيد تعريف معنى الصبر والأمومة في زمنٍ يختبر فيه الإنسان في أقسى الظروف، من بيت كانت تحلم أن تملأه بالفرح، إلى خيمة تنام فيها على أمل العودة سميّه، مثل كل أم غزاوية، تكتب في ذاكرة العالم سطرًا جديدًا من الصمود والإيمان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء