منذ أسبوع شهد العالم افتتاح أهم متاحف العالم وأكبرها، المتحف المصري الكبير، والذي أبهر العالم وأيقظ الروح الوطنية لتؤكد على حقيقة غير قابلة للجدال وهي أن "مصر مصرية".
هذا المتحف الذي بمثابة هدية مصر للعالم كله، كونه يضم أكبر مجموعة من مقتنيات لحضارة واحدة في العالم، تقدر بحوالي 100 ألف قطعة أثرية، بما في ذلك المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون، على مساحة 490 ألف متر مربع، أي ضعف مساحة متحف اللوفر الشهير القابع في قلب عاصمة النور، باريس.
وهنا علينا أن نتسأل، لماذا هذه الحضارة العظمية، على مدار ألوف السنين، كانت قادرة على كل هذا الإبهار، الذي يصل في بعض الأحيان إلى درجة الإعجاز، والتي يعجز الكثير من العلماء على فك طلاسمها حتى وقتنا هذا، حتى مع التقدم العلمي المذهل الذي نعيشه الآن؟ هل هذا كله وليد الصدفة؟ أم كانت تلك الحضارة الأقدم والأعظم في تاريخ البشرية نتاج مساعدة الكائنات الفضائية لأجدادنا، كما يدعي ثلة من الجهلة والمغرضين؟
الإجابة قطعاً لا ...
فأجدادنا العظماء كانوا قادرين على إنتاج وتسجيل العلوم، وتطوير التكنولوجيا وتوطينها في شتي المجالات، بما فيها المجالات الهندسية والطبية، والزراعة والري، فكانت الزراعة في مصر القديمة متقدمة للغاية، مما يعكس إبداع وقدرة المصريين القدماء على الابتكار في زراعة المحاصيل المختلفة، في منظومة متكاملة ومعتمدة على نظام ري معقد، لتوفير الغذاء، وكذلك استخدامها في صناعة الدواء ومستحضرات التجميل وللأغراض الصناعية، مثل صناعة النسيج، والذي كان صناعة متقدمة للغاية تكنولوجياً، حتى بالنسبة لوقتنا الراهن.
والعمارة التي مازالت شواهدها تبهر العالم حتى وقتنا هذا، بدءاً من أهرامات الجيزة، المتراصة على خط واحد بمنتهي الدقة الهندسية، والتي ما زالت تبهر العالم ولم تبح بكامل أسرارها للآن، ومروراً بمعابد الأقصر واسوان وأدفو وأسنا، تلك المعابد بديعة التصميم، بل دقيقة التصميم، ووصلاً إلى المسلات، والتي تزين أهم عواصم العالم، مثل القاهرة وباريس وروما ولندن وواشنطن، والتي كانت ذات تصميم هندسي فريد، قادر على تحدي الطبيعة لأكثر من ثلاثة آلاف عام، بما فيما ذلك الزلازل والرعد والبرق والحر الشديد والبرد القارس.
كما تكشف دراسة البرديات المصرية القديمة، وخاصة بردية موسكو المحفوظة في متحف موسكو للفنون، عن مساهمات المصريين القدماء في تأسيس علوم الرياضيات وحساب المثلثات، فهذه البردية التي يعود تاريخها إلى حوالي عام 1850 قبل الميلاد، أي قبل ولادة فيثاغورس بأكثر من 1280 عام.
ومن بين محتوياتها الرياضية البارزة، التمرين السادس الذي يوضح طرقًا لإنشاء مستطيلات ذات ضلعين متعامدين يشكلان زاوية 90 درجة، ويتماشى هذا المفهوم مع المبادئ المرتبطة لاحقًا بنظرية فيثاغورس حول المثلثات القائمة الزاوية، والتي سجلها بعدما عاش ودرس في مصر لأكثر من 22 عام، قبل ترحليه إلى بلاد ما بين النهرين في عام 525 قبل الميلاد.
وهذا الفهم المتقدم للهندسة والرياضيات يفسر كيف تمكن المصريون القدماء من تحقيق زوايا قائمة دقيقة في تصميماتهم المعمارية، كما هو واضخ في بناء الهرم الأكبر للملك خوفو، الذي يعد شاهدًا على براعتهم في الرياضيات والهندسة.
أما فيما يخص العلوم الطبية، فحدث ولا حرج، ففن التحنيط مازال سر الأسرار حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.
وكانت رؤية المصري القديم للطب كـ "فن أساسي"، وأنشأ المصريون مراكز تدريب حيث تمكن الرجال والنساء، على حد سواء، من أن يصبحوا أطباء، ويعود أول ذكر مسجل للأطباء إلى عصر الدولة القديمة (حوالي 2500 قبل الميلاد)، بما في ذلك طبيب قام بمعالجة أنف أحد الملوك، وإمحوتب، الذي كان شخصًا من عامة الشعب، تحول إلى عبقرية طبية، ثم أصبح رمزًا فيما بعد، ووضعه في مصاف الآلهة، مما جعل الباحثون في عصرنا الحديث يطالبون بجعله "أبو الطب" الحقيقي بدلاً من أبقراط.
كما توصل أجدادنا العظماء إلى تقنيات النانو تكنولوجي، فاللون الأزرق المصري Egyptian Blue هو مادة متميزة استخدمها المصريون القدماء في العمارة والفنون، ويتميز بعدم احتوائه على طبقة زجاجية ولونه الأزرق المتجانس الناتج عن بلورات سيليكات الكالسيوم والنحاس CaCuSi4O10
وقد ظهر لأول مرة خلال الدولة القديمة (2613–2181 قبل الميلاد)، وكان يُصنع بتسخين مزيج من المواد الخام عند درجات حرارة بين 900-1000 درجة مئوية، مما أدى إلى إنتاج مادة ذات لون أزرق يتراوح بين الداكن والفاتح، بناءً على حجم البلورات.
وتم استُخدماه كصبغة وفي صناعة الحلي والتماثيل، إلى جانب قيمته التاريخية.
وقد جذب الأزرق المصري اهتمامًا علميًا حديثًا بسبب خواصه الفلورية الفريدة، خاصة في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة Near-Infrared NIR، مما يجعله مادة أساسية في التصوير الطبي والاتصالات الليزرية في وقتنا الراهن.
كما تم اكتشاف أنه يتحلل إلى صفائح نانوية Nanosheets، مما يفتح المجال لاستخدامه في الأحبار الأمنية لمنع التزوير. كما تفوقت مساحيقه على تقنيات كشف البصمات التقليدية، وساهم في الأبحاث المتعلقة بتقنيات التبريد وكفاءة الطاقة الشمسية.
لذا كانت لدينا دولة عظيمة متقدمة بالعلم والتكنولوجيا، أبهرت العالم، وما زالت!